
الـ«فيسبوك» سبب فشل الثورات الشعبية!
مالك التريكي
حرير- روى الكاتب الأمريكي توماس أدسول أنه شارك أخيرا في ندوة في إسبانيا عن مشكلة الاستقطاب في المجتمعات المعاصرة (ويعلم كل متابع للشأن العام أن «الاستقطاب» ما هو إلا لفظ مخفّف وملطّف شاع في الخطاب السياسي والإعلامي لتجنب تسمية الشيء باسمه البغيض: أي التخندق أو التعصب المثير للعداوات الاجتماعية والسياسية الدائمة) فكان مما قالته السيدة أفيلا كيلموري، التي كانت قد اضطلعت بدور بارز في إنجاح مسار السلام في أيرلندا الشمالية عام 1997، أنها ذكّرت الحاضرين بأن «اتفاق الجمعة العظيمة» الذي أنهى الحرب الأهلية في بلادها قد حظي بتأييد 71 بالمائة من المواطنين في استفتاء 1998. ولكنها استدركت أنه لو عقد الاستفتاء ذاته اليوم، في ظل سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، «فما أظن أن اتفاق السلام يمكن أن ينال أغلبية الأصوات اللازمة»، أي الدعم الشعبي الذي لا بد منه لإنهاء الأعمال العدوانية والردود الانتقامية ولإحلال الأمن الذي لا تستقيم بدونه أبسط بسائط الحياة.
أثار تصريح الناشطة الأيرلندية هذا اهتمامي لأنه أصاب كبد حقيقة اجتماعية حديثة نسبيا كانت قد لفتت نظري منذ أعوام، وبقيت أعبر عنها في محادثاتي مع الأصدقاء والزملاء تعبيرا متألما، ولو أن فيه من الهزل قدرَ ما فيه من الجد. ذلك أنه عادة ما تتخلل هذه المحادثات أسئلة صادقة وحائرة من قبيل: كيف فشلت ثورتكم الشعبية في تونس هذا الفشل الذريع بعد كل ذلك التألق الباهر والأمل الساطع والتقدم التدريجي، ولو ببطء وعسر، نحو صيغة توافقية من الانتقال الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة؟ كيف تخيب ثورة كانت، بعفويتها وسرعتها، هي الشرارة التي أطلقت مسارا من الثورات الشعبية العربية التي طال انتظارها وتعاظم الأمل في انتصارها؟ ولماذا يؤول الأمر بالتونسيين، بعد أن تأكد لهم أنه ليس في مستطاع طرف سياسي واحد أن يحكم البلاد بمفرده، وألا بديل عن التوافق البراغماتي بين مختلف الأطراف، إلى النكوص إلى مرارات العداوات الإيديولوجية العقيمة القديمة التي لا تنتج إلا المحصّلات الصِّفْرية المشؤومة؟
أسئلة ضرورية تفرض نفسها فرضا، ولكن طول التفكر فيها لا يؤدي إلا إلى الإحباط والأسى. لهذا كنت كلما جمعتنا مثل هذه المحادثات أجيب شبه مازح: إذا أردتم الجواب، فلا بد أن ترهقوا أنفسكم في قراءة الكتب الكثيرة بالعربية وباللغات الأجنبية عما سمي، خطأ، بالربيع العربي، وأصله وفصله وفساد ثمره، ولكني سأكفيكم مؤونة كل ذلك لأن عندي التفسير العلمي الصحيح الذي يصمد لامتحان «التزييفية» أو «الدحضية» كما حدده العزيز كارل بوبر، أي أن عندي التفسير الفيزيائي الفلكي «اللّي ما يْخُرِّشْ المَيّة»: فلتعلموا أيها الإخوة العرب الكرام أن سبب فشل الثورة الشعبية في تونس هو الفيسبوك! (بل الأدق «الفايسبوك»، كما يرسم في تونس، بالألف الساكنة بعد الفاء).
ذلك أن فضاء التواصل الرحب الذي فتحه الفيسبوك تحديدا (لأن تويتر محدود الانتشار في تونس) قد أغرى معظم مستخدميه بالتحلل من كل ضوابط الحوار المفيد والنقاش الهادف وزهّدهم في قيم التهذيب واللياقة والاحترام المتبادل، فصار الفيسبوك غابة للتطاول والتجني والسباب والشتائم والتحقير والتخوين والتكفير. كل ذلك بأساليب قبيحة تترفع عنها حتى المقاهي الشعبية الذكورية التي يجتمع فيها الرجال «لقتل الوقت» ودفنه بلعب الورق وتدخين الشيشة، مع حفلات أسبوعية للفرجة الصاخبة على مباريات كرة القدم الإسبانية. أي أن ما فتحه الفيسبوك في تونس ليس فضاء المحاورات والمداولات العمومي الذي طالما بشّر به يورغين هابرماس أساسا للفعل الديمقراطي الواعي: لم يفتح الفيسبوك مجالا للتواصل الاجتماعي، بل إنه هيأ ساحة وغى لا مجال فيها إلا للتناحر الهادم لكل شروط الوئام المدني لأن وسائل التواصل بدل أن تشجع في الفرد الاهتمام بالشأن العام وفضائل المواطنة العاقلة الواعية بثقل مسؤوليتها في تحديد المصير الجماعي، فإنها أطلقت للعلن أسوأ شرور النفس البشرية، أي أنها سمحت لما يسميه سبينوزا «الأهواء الحزينة»، أي النوازع البائسة المقيتة، بالإفلات من عقالها لتطفئ الأنوار وتزرع الأشواك فلا تجني الأمّة إلا الجراح.
الحقيقة التي كشفها الفيسبوك هي سلطة العدمية: ما من أحد يحترم أحدا، بل ما من أحد يستطيع أن يقول مجرد كلمة خير. الكل متربص بالكل، يسب ويلعن ويرجم، ولو استطاع لَنَكَّل واضطَهَد. إنها كراهية الجميع للجميع. ظاهرة مرَضية مفزعة من إفرازات شبكات اللا-تواصل العدواني الهادم للمجتمعات.



