بريطانيا: فلسطين في السياسة والانتخابات!

محمد عايش

حرير- منيَ حزبُ المحافظين الذي يتزعمه ريشي سوناك بأسوأ هزيمة انتخابية له في بريطانيا منذ 190 عاماً، حيث فقد أغلب المقاعد التي كان يهيمنُ عليها في البرلمان، وعاد حزبُ العمال إلى السلطة لأول مرة منذ عام 2010، على وقع جملة من الإخفاقات والمواقف التي أغضبت الرأي العام في البلاد، لاسيما الدعم الأعمى واللامحدود لإسرائيل في حربها الوحشية ضد قطاع غزة.

القضية الفلسطينية والحرب على غزة كانت لأول مرة حاضرة في الانتخابات العامة في بريطانيا، وكانت لأول مرة واحدة من الملفات المؤثرة في قرار الكثير من الناخبين البريطانيين، وتبين من النتائج أن الموقف من فلسطين لعب دوراً حاسماً في العديد من المناطق والدوائر الانتخابية، كما حدث في «ليستر ساوث» عندما فاز المرشح المناصر لفلسطين شوكت آدم، وهزم كلاً من الحزبين الكبيرين: المحافظين والعمال معاً.

الحكومة الجديدة في بريطانيا التقطت الرسالة من الشارع، حيث كان أول تصريح أدلى به وزير الخارجية الجديد ديفيد لامي، هو المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، وهو موقف كانت ترفضه الحكومة السابقة التي كان يتزعمها ريشي سوناك، كما أن رئيس الوزراء الجديد كير ستارمر كان في الأيام الأخيرة، التي سبقت الانتخابات، قد أطلق وعداً بأن يعترف بدولة فلسطين في حال فوز حزبه بالانتخابات وتوليه الحكومة، وهو مؤشر آخر على أن ستارمر وحزبه فهموا خلال الحملة الانتخابية بأن فلسطين واحدة من الملفات المؤثرة في الانتخابات، والحاضرة بقوة لدى الناخب البريطاني. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن حزب العمال على الرغم من فوزه الساحق في الانتخابات، إلا أنَّ قاعدته الجماهيرية تراجعت، أي أن ما حصل في هذه الانتخابات ليس فوزاً ساحقاً لحزب العمال، وإنما هي هزيمة مدوية لحزب المحافظين، أدت إلى صعود العمال، والسبب في تراجع شعبية العمال وجمهوره هو موقفه أيضاً من الحرب على غزة، وتأييد ستارمر السابق لحصار القطاع، ومنع المياه والكهرباء عن الفلسطينيين، إضافة الى تصويت أغلب نواب الحزب في البرلمان برفض المطالبة بوقف إطلاق النار. وهذا ربما يُفسر جزئياً السبب في أن أكثر من نصف أعضاء مجلس العموم المنتخبين، يصلون لأول مرة إلى مقاعد البرلمان، وأن أغلب السابقين لم يتم إعادة انتخابهم (300 نائب فقط أعيد انتخابهم، و335 نائباً يدخلون البرلمان لأول مرة، و15 كانوا نواباً في مرحلة سابقة من حياتهم لكن ليس في الفترة من 2019 إلى 2024). انتخابات عام 2024 في بريطانيا انتهت بفوز كبير لفلسطين وأنصارها، وهذا يُمكن رصده في الملامح التالية:

أولاً: عدد من أنصار فلسطين المعروفين فازوا في الانتخابات، لاسيما جيرمي كوربين الزعيم السابق لحزب العمال الذي خاض الانتخابات مستقلاً، وتمكن من هزيمة منافسَيه من الحزبين، وفي اليوم التالي لظهور نتائج الانتخابات مباشرة كان في الصف الأول للتظاهرة الكبرى التي شهدتها لندن، التي تطالب حكومة ستارمر بموقفٍ مختلف من حرب الإبادة على غزة.

ثانياً: وزيرة العدل في حكومة ستارمر الجديدة هي البريطانية المسلمة شابانا محمود، وهي واحدة من أشهر المتضامنين مع فلسطين، والمعارضين لحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، ويأتي تعيينها بالتزامن مع تصريحات وزير الخارجية الجديد، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الحكومة البريطانية الجديدة قد تصبح أقل انحيازاً لإسرائيل.

ثالثاً: خلال انتخابات 2024 بدأت لأول مرة في تاريخ بريطانيا ملامح «لوبي عربي» تتشكل، حيث تأسس «مؤتمر الجالية العربية» في منتصف عام 2023، وتمكن ثلاثة من أعضائه المؤسسين، وهم ثلاثة من رموز الجالية العربية، من خوض هذه الانتخابات ببراعة عالية، وحصدوا فيها أصواتاً لا يُمكن الاستهانة بها ولا التقليل منها، وهؤلاء الثلاثة هم: البروفيسور كامل حواش رئيس حملة التضامن مع فلسطين وهو بريطاني من أصول فلسطينية، والسيدة منى آدم وهي بريطانية من أصول سودانية وعضو حزب الخضر، وحلمي الحراحشة، وهو زعيم الجالية الأردنية في بريطانيا. وهؤلاء بطبيعة الحال لم يكونوا العرب الوحيدين الذين خاضوا هذه الانتخابات وإنما كان ثمة عدد آخر كبير من البريطانيين العرب الذين ترشحوا وخاضوا هذه الانتخابات، وجميعهم وضعوا قضية فلسطين على رأس برنامجهم الانتخابي.

ورغم أن المرشحين العرب الذين خاضوا هذه الانتخابات لم يفز أي منهم، إلا أنهم حققوا إنجازاً تاريخياً سيظل يُذكر لهم، وبدؤوا مشواراً بالغ الأهمية في المشاركة بالحياة السياسية، وكذلك أوصلوا رسالتهم إلى النخبة السياسية في بريطانيا، وأثبتوا بأن الجالية العربية لديها كتلة انتخابية مهمة لا يُمكن تجاهلها، ففي دائرة مثل «إلفورد نورث» في لندن حصدت المرشحة ليان محمد، وهي ناشطة من أصول فلسطينية، أكثر من 15 ألف صوت، وكان بينها وبين الفوز بمقعد في البرلمان نحو 500 صوت فقط. والخلاصة هو أن فلسطين وأنصارها حققوا فوزاً كبيراً في هذه الانتخابات البريطانية، كما أن المشاركة العربية كانت لافتة، وقضية فلسطين كانت حاضرة، ولولا هذا الرأي العام وهذه المشاركة وهؤلاء المرشحون من أصول عربية لما رأينا الحكومة الجديدة بزعامة كير ستارمر تبدأ التحول في لهجتها وسياستها ومواقفها تجاه حرب غزة وقضية فلسطين منذ يومها الأول.

مقالات ذات صلة