
سوريا 2025: عثرات ومجازر وانفتاح
صبحي حديدي
حرير- ثمة سلسلة تطورات شهدتها سوريا منذ مطلع سنة 2025، التي كانت قد طوت سنة سابقة بحدث أكبر مفصلي وتاريخي هو انحلال 54 سنة من نظام «الحركة التصحيحية» وانطواء حكم الأسدَين الأب والوريث؛ وتبدّل موازين القوى على الأرض مع هيمنة «تحرير الشام»، والفصائل العسكرية المنضوية في صفها أو المتحالفة معها؛ ورحيل مقاتلي «حزب الله» اللبناني والميليشيات المذهبية التي ساندت النظام، مترافقة مع انسحابات متعاقبة لقوى «الحرس الثوري» الإيراني؛ بتوسط ومساعدة من الجيش الروسي في قاعدة حميميم الساحلية وسواها، كما سيعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاحقاً…
وتلك سلسلة يمكن أن تبدأ من «مؤتمر النصر»، أواخر كانون الثاني (يناير)، واجتماع غالبية عظمى من الفصائل العسكرية التي شاركت في عملية «ردع العدوان» ودخلت تباعاً إلى حلب وحماة وحمص والعاصمة دمشق، وبسطت سيطرتها لاحقاً على سائر سوريا؛ ما خلا مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد»، وبعض أرجاء محافظة السويداء (التي سوف تشهد، أواخر شباط/ فبراير، مبادرة فصائل محلية درزية إلى تشكيل مجلس عسكري، وإرسال أبكر الإشارات حول مشروع حكمت الهجري الانفصالي). ذلك المحفل العسكري/ الفصائلي، كما قد تصحّ تسميته بسبب غياب تمثيل سياسي مدني، سوف يخرج بالنتيجة الأهمّ، التي لعلها كانت مرجوة من انعقاده أصلاً؛ وهي نقل أبو محمد الجولاني من قائد «هيئة تحرير الشام»، إلى أحمد الشرع الرئيس الانتقالي؛ ضمن مناخ بدا أقرب إلى إعلان بيعة جماعية منه إلى اجتماع تداولي انتخابي.
محطة ثانية، ضمن هذه السيرورة التي تخصّ تدابير السلطة الانتقالية، كانت الدعوة إلى مؤتمر «حوار وطني»، أُحيط بآمال عريضة ووعود مفصلية نحو التحوّل من صيغة الفصيل العسكري (الجهادي، أيضاً) إلى ركائز بنيوية مختلفة تكفل نشوء الدولة. وقد يتفق المرء أو يختلف حول مخرجات المؤتمر، الذي انعقد بالفعل أواخر شباط (فبراير) على مدى يومين، وما إذا كانت مخيبة للآمال، أم هي تمهد على أي نحو ملموس لانطلاق منهجية شراكة وطنية جامعة؛ لكن الثابت، الذي تجلى بوضوح لاحقاً، أن ذلك المؤتمر لم يشكل محطة انطلاق فاصلة، حتى عند مراكز السلطة الانتقالية، والشرع نفسه في مقام أوّل.
محطة ثالثة، ضمن سلسلة التدابير النوعية والفارقة ذاتها، كانت مبادرة الحكومة الانتقالية إلى إصدار إعلان دستوري أسند إلى الشرع صلاحيات واسعة، حتى إذا كان أوحى بمستويات مرنة، وأحياناً غامضة أو مبهمة عن سابق قصد، بصدد الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، في العلاقة مع رئيس الجمهورية؛ والمسألة الحساسة حول العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا، وبناء دولة المواطنة والحرية والكرامة سيادة القانون، وما يُسمّى «مبادئ الحكم الرشيد». الإعلان أيضاً استقرّ على تسمية «الجمهورية العربية السورية»، وتوصيف عَلَم البلاد، واختيار النظام الرئاسي حيث يترأس الشرع مجلس الوزراء؛ وحصر الإسلام ديناَ لرئيس الدولة، والفقه الإسلامي مصدراً للتشريع، والنصّ على أن حرية الاعتقاد مصونة والدولة تحترم جميع الأديان السماوية وتكفل حرية القيام بالشعائر والأحوال الشخصية للطوائف مرعية.
كذلك عُهد إلى الشرع بقرار تشكيل لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب والإشراف على تسمية هيئات فرعية ناخبة، ومنح الإعلانُ الشرعَ حقّ تعيين ثلث أعضاء المجلس (70 من أصل 210 مقاعد)، بهدف «ضمان التمثيل العادل والكفاءة». تلك الانتخابات، إذا جازت تسميتها هكذا بالفعل، جرت بالفعل مطلع تشرين الأول (أكتوبر)، في 49 دائرة انتخابية توزعت على 11 محافظة، وتأجلت في دوائر تابعة لمحافظات الحسكة والرقة والسويداء بسبب سيطرة «قسد» والهجري على مناطقها؛ وفاز بالمقاعد 119 عضواً، وتأجل انتخاب 21 لأسباب مختلفة. ولعلّ أوضح مؤشر على الأهمية الجزئية التي يمنحها الشرع لهذه الانتخابات، غير المباشرة أصلاً، هو أنه لم يصدر حتى الساعة لائحة بأسماء ثلث الأعضاء المتبقين؛ وبالتالي لم ينعقد المجلس العتيد بعد.
حصيلة المحاسن والمساوئ خلف هذه المحطات، وسواها في قطاعات سياسية ودستورية واقتصادية واجتماعية، وإيقاعات البطء أو التباطؤ أو التأخير المتعمد أو تأجيل الاستحقاقات أو شخصنة الأولويات… لا تطمس حقائق منجزات ملموسة واضحة سُجّلت باسم إدارة الشرع الانتقالية؛ خاصة من زاوية النظر إلى الحال السورية بمنظار مرحلة انتقالية ليس مطلوباً منها أن ترسم الملامح النهائية للدولة السورية الجديدة، خلال عام واحد أيضاً، أو تخرج بصياغات عليا ونهائية للتعاقد بين المواطن والسلطة، في الحقوق والواجبات. فليس خافياً أن السلطات الانتقالية تسلمت بلداً مُقعَداً ومخرباً ومدمراً ومنهوباً، وأنّ إنجازات مثل تحسين خدمات الكهرباء، وسعر صرف العملة الوطنية واستبدالها، وعودة نحو 1,2 مليون لاجئ سوري، ورفع سقف حرية التعبير كما لم يُرفع منذ عهد الانفصال سنة 1961، وسواها في مجالات أخرى عديدة، يتوجب أن تُحتسب لصالح الشرع وحكومته.
المستوى الآخر لما شهدته سوريا من وقائع جسيمة النتائج وبعيدة الأثر، هو مجازر الساحل السوري الكبرى مطلع آذار (مارس) والتي ذهب ضحيتها المئات من المدنيين أبناء الطائفة العلوية، وأفراد الفلول من أنصار النظام البائد، وعناصر الجيش والأمن وميليشيات «الفزعة». مجازر أخرى ليست أقلّ دموية وقعت في محافظة السويداء، واتخذت صفة مختلفة من حيث المضمون السياسي لأنها اقترنت بدعوة الهجري إلى الانفصال، ورفع أعلام دولة الاحتلال في شوارع السويداء، والتدخل الإسرائيلي الذي بلغ درجة قصف مقرّ رئاسة الأركان ومحيط القصر الجمهوري في العاصمة دمشق. وبصرف النظر عن الإدانة الواجبة، الفورية والمبدئية والقاطعة، لإراقة دماء الأبرياء على سبيل خدمة أجندات هنا وهناك، أو إشباع غرائز ثأرية وطائفية عشوائية عمياء؛ فإنّ من الخطأ الفادح إغماض الأعين وإغلاق العقول على ملابسات وجود مسألة علوية، وأخرى درزية، وثالثة كردية، في سوريا الراهنة؛ كما على امتداد تاريخها الحديث والمعاصر.
والأصل، كما تتوخاه هذه السطور، هو أنّ الطوائف والإثنيات ليست متجردة عن محتوياتها الصلبة، الطبقية والاجتماعية والتاريخية، قبل أن تكون عقائدية أو مذهبية؛ وأنّ ملايين السوريين، ممّن تعددت طوائفهم ومناطقهم ولغاتهم وأعراقهم وبيئاتهم الإثنية، هم أوّلاً مجتمعات وطبقات وفئات ومصالح وتناقضات وتحالفات. وفي سياق هذا المنظور فإنّ المقاتل في صفوف هذه المجموعة العشائرية المسلحة، أو تلك الميليشيا المذهبية، قد يرتكب جرائمه من باب الانقياد خلف الشيخ غزال غزال في اللاذقية وطرطوس، أو الهجري في السويداء وجرمانا، أو راية القبيلة والعشيرة هنا وهناك، أو هذا الفصيل الجهادي أو ذاك… لكنّ الحوافز الأعمق إنما ترتدّ إلى بنى تربوية وذهنية ومصلحية أشدّ تشابكاً وتشوّشاً، وتلك مخاطر كبرى قد لا يكون وقوعها مآلاً محتوماً؛ ولكنّ معالجة أسبابها، من الجذور أولاً، ليست أقلّ من استحقاق ملحّ.
يبقى مستوى أخير حققت خلاله إدارة الشرع الانتقالية مكاسب نوعية كبرى بدورها، بعضها اختراقي ومفاجئ من حيث الشكل والمضمون (كما في زيارة الكرملين، ثمّ البيت الأبيض)، وبعضها تاريخي (كما في إلقاء كلمة سوريا من منبر الأمم المتحدة)؛ ومعظمها تخدم معضلات سوريا الداخلية، السياسية والاقتصادية والتنموية، كما في توطيد العلاقات مع أنقرة والدوحة والرياض وعمّان وأبو ظبي؛ فضلاً عن خطوات ملموسة نحو تجديد اتفاقية فصل القوات مع الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، والتمييز بين اتفاقية أمنية وانخراط في التطبيع ومحور أبراهام.
سنة حافلة كانت، بعثرات التباطؤ الانتقالي، ومخاطر المجازر والاحتقانات الطائفية، ومكاسب الانفتاح الدبلوماسي؛ وثمة، بالتالي، كثيرٌ يدعو إلى استبصار واقعي، ونأي عن الشدّ الانفعالي والجذب العاطفي.



