دلالات فوز أردوغان

بشير عبد الفتاح

حرير- لم تغرد نتائج الاستحقاقين الرئاسي والبرلماني، اللذين شهدتهما تركيا هذا الشهر، بمنأى عن سرب السيرورة السياسية، التي ألفتها البلاد طوال العقدين الماضيين.

فمنذ العام 2002، توالت الإنجازات الانتخابية للرئيس أردوغان وحزبه، حتى تمكن من اجتياز ما يقارب خمسة عشر استحقاقا، ما بين رئاسي، وبرلماني، وببلدي، أو استفتاءات على تعديلات دستورية. ورغم انكماش حصيلة أغلبيته من مقاعد البرلمان الجديد، مقارنة بسابقه، لم يكن يحتاج سوى 270 ألف صوت فقط لحسم الماراثون الرئاسي الأخير من جولته الأولى.

إلى حد بعيد، جاءت نتائج الاستحقاقين الأخيرين متناغمة مع التجربة السياسية للمعارضة التركية، وزعيمها ومرشحها للانتخابات الرئاسية الأخيرة، كمال كليتشدار أوغلو. فلقد تراجع تحالف «الأمة»، الذي يترأسه، ويضم ستة أحزاب، في الانتخابات البرلمانية، ليأتي في المرتبة الثانية، من حيث عدد الأصوات والمقاعد، بعد تحالف «الجمهور» الحاكم. تزامن ذلك مع عدم قدرة، كليتشدار أوغلو، على حسم الانتخابات الرئاسية، أو التفوق في نسبة الأصوات على الرئيس أردوغان، خلال الجولة الأولى من السباق. وبينما تسنى لكليشدار أوغلو، اقتناص دعم زعيم حزب الظفر اليميني المتطرف، أوميت أوزداغ، خلال الجولة الثانية، إثر تعهدات انتخابية بإخلاء تركيا من اللاجئين؛ وجه مرشح «تحالف الأجداد»، القومي المتشدد سنان أوغان، ضربة قوية لكليتشدار أوغلو، بإعلانه دعم أردوغان. ذلك الذي يراه صاحب الأغلبية في البرلمان الثامن والعشرين، والمتحمس لمحاربة ما يصفه بـ«الإرهاب الكردي». والقادر على إعادة اللاجئين لبلادهم، وفق جدول زمنى، يحترم الالتزامات القانونية ويراعى الأبعاد الإنسانية.

لم تكن تلك هي الهزيمة الانتخابية الأولى لكليتشدار أوغلو، الذي تولى رئاسة حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي عام 2010. ففي عام 2009، خسر الانتخابات البلدية أمام مرشح حزب العدالة والتنمية، قادر توباش. كما فشلت حملته المضادة عام 2010، لإجراء استفتاء على الدستور. ولم تستطع المعارضة التي يتزعمها، الفوز في الانتخابات العامة سنة 2011، أو المحلية عام 2014، ثم الرئاسية، في ذات العام، وصولا إلى الانتخابات العامة سنة 2015، ثم تلك المبكرة في العام نفسه، بالإضافة إلى خسارة حملته المناهضة للتعديل الدستوري عام 2017، ثم الانتخابات العامة 2018.

من المتوقع أن تتمخض نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة، عن تغيرات لافتة في الخريطة الحزبية والسياسية التركية. فربما تفضي خسارة تحالف الأمة المعارض للاستحقاقين، إلى تصدع تحالف الطاولة السداسية، أو انفراط عقده. فرغم توقيع الأحزاب الستة المنضوية تحت لوائه على بروتوكول تحالف من سبعة بنود، تنصب حول دعم كليتشدار أوغلو، حتى هزيمة أردوغان والعودة للنظام البرلماني. ينذر ضياع أمل المعارضة في حصد أغلبية برلمانية، ثم خسارتها السباق الرئاسي، لتفكيك ذلك التحالف. وقد لاحت إرهاصات ذلك الأمر، في تقديم عشرات الكوادر السياسية المؤسسة للأحزاب المنخرطة بالتحالف استقالاتها. وكذا إصدار أحمد داوود أوغلو، رئيس حزب المستقبل، بيانا يرفض فيه تعهد كليتشدار، حالة فوزه بالرئاسة، بمنح، أوميت أوزداغ، رئيس حزب الظفر القومي، منصب وزير الداخلية، نظير دعمه إياه في الجولة الثانية من السباق.

في المقابل، برزت مؤشرات على صعود نجم التيار القومي، بشتى أطيافه. فرغم أجواء التشرذم التي تعتريه، وتعثر جهود ترميم «البيت القومي»، خاصة في ظل إصرار حزب الحركة القومية على الانحياز للتحالف الحاكم، وميل حزبي الجيد والظفر، صوب المعارضة؛ تمكن «تحالف الأجداد» بزعامة سنان أوغان، من لعب دور «صانع الملوك» في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. وذلك بعدما انتزع 5,4 % من مجموع أصوات جولتها الأولى، واقتنص المرتبة الثالثة في الانتخابات البرلمانية. إذ حصلت الأحزاب القومية مجتمعة (الجيد ــ الحركة القومية ــ الظفر) على 12.17 مليون صوت، مثلت نسبة 23.7 % من إجمالي الأصوات، ما خولها انتزاع زهاء مائة مقعد. وهي نسبة تقترب من إجمالي أصوات حزب الشعب الجمهوري، الذي حل ثانيا، بحصوله على 25,39%. ويراهن التيار القومي على توسيع قاعدته الشعبية، مستغلا مناهضته حزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابيا. وقد أجاد القوميون استثمار اضطرار حزب الشعب الجمهوري للتحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، واعتراض، ميرال أكشنار، رئيسة الحزب الجيد القومي، وانسحابها من الطاولة السداسية، في مارس الماضي. وفى تغريدة له قبيل إجراء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، تفاخر سنان أوغان، بالنجاحات التي حققها القوميون خلال الاستحقاقين. متباهيا بإنعاش الكمالية والقومية التركية، وإعادة تموضع القوميين الأتراك في قلب المشهد السياسي التركي، بعدما أصبحوا ثالث أكبر قوة برلمانية، وأمسوا رقما انتخابيا وازنا، بمقدوره ترجيح كفة الفائز في الانتخابات الرئاسية، وإجبار المرشحين الذين وصلوا إلى جولتها الثانية على التزلف إليهم، عبر تبني خطاب دعائي موغل في القومية.

يبقى المصير السياسي لكليتشدار أوغلو، على المحك. فأمام جمع من أنصاره بولاية مالاطيا (شرق) إحدى الولايات الـ11 المنكوبة بزلزال 6 فبراير، قال أردوغان: «سنزيح قادة المعارضة من المعترك السياسي في 28 مايو». وضمن سياق استراتيجيته الدعائية الانتخابية، قدم، كليتشدار أوغلو، نفسه بوصفه نصير الديمقراطية في تركيا؛ حيث أكد أنه سيحمل القانون، والعدالة، والاستقرار إلى هذا البلد. واعدا بـ«الربيع». كما طرح نفسه مناهضا للفساد، الذي استشرى في أروقة السياسة التركية، منذ سنوات، حتى تفشى في جنبات أعلى هرم السلطة. وتعهد بعدم مصادرة الحكم، مشددا على أنه «بعد إعادة الديموقراطية» والحد من سلطات الرئيس، سيتخلى عن كل شيء، ويتفرغ للاهتمام بأحفاده.

بيد أن جبهات داخل تحالف المعارضة، قد تجنح لتحميل رئيس حزب الشعب الجمهوري، فاتورة الإخفاق في الاستحقاقين الرئاسي والبرلماني. كونه قد تمسك بتمثيل المعارضة في الماراثون الرئاسي، وتحدى آراء سياسيين ومفكرين ارتأوا أنه لم يكن الأجدر بتمثيل المعارضة. هنالك، سيجد، كليتشدار أوغلو، نفسه مضطرا للنضال من أجل حماية موقعه كرئيس لأكبر وأعرق الأحزاب التركية، وهو ليس نائبا في البرلمان. وبينما تسنى له ذلك، فيما مضى، رغم إخفاقات انتخابية وسياسية عديدة، فإن الأمر جد مختلف، هذه المرة. فلقد أصر الرجل على خوض الماراثون الرئاسي بنفسه، مقامرا بماضيه ومستقبله السياسيين. وإذا ما تعنّت في الاستقالة مجددا، فقد لا يمكنه ببلوغه الرابعة والسبعين، من خوض انتخابات 2028. لاسيما أن دائرة معارضيه داخل الحزب آخذة في الاتساع عقب الاستحقاقين الأخيرين.

رغم أن الاستقالة ليست تقليدا أصيلا في السياسة التركية بوجه عام، أو لدى حزب الشعب الجمهوري بالخصوص، عند الفشل السياسي أو خسارة الانتخابات. إلا أن التغييرات في قيادة الحزب، غالبا ما تأتي نتيجة مخاض عسير. فلقد اعتلى، كليتشدار أوغلو، رئاسته بعد فضيحة أخلاقية، أجبرت سلفه، دينيز بايكال، على الاستقالة. وفي حالة تنحى كليتشدار أوغلو، سيبرز نجم، أكرم إمام أوغلو، الذي انتزع رئاسة بلدية إسطنبول عام 2019، من رئيس الوزراء السابق بن على يلدريم، بفارق هائل. فلدى السياسي الشاب مؤهلات الكاريزما، والقيادة، والقدرة على التواصل مع المجتمع، وتقريب الحزب المكلوم إلى شريحة أكثر محافظة وقومية.

ربما يمتد تأثير نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، ليطال الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في ربيع العام المقبل. فقد يشكل نجاح تحالف الجمهور الحاكم في هذين الاستحقاقين، قوة دفع له في استعادة البلديات الكبرى، التي فقدها حزب العدالة خلال الانتخابات المحلية عام 2019، مثل: إسطنبول، وأنقرة، وأزمير، وأنطاليا.

قد يفضي بقاء أردوغان رئيسا لسنوات خمس قادمة، مدعوما بأغلبية برلمانية، وإن كانت غير حاسمة، إلى تعاظم سلطاته، بوصفه أقوى رؤساء تركيا، وأطولهم مكوثا في الحكم، ضمن نظام رئاسي. الأمر الذي يعينه على تنفيذ برنامجه الانتخابي، المعنون «القرن التركي الجديد». ومن ثم، الانطلاق صوب تأسيس الجمهورية التركية الثانية، بعد طي سجلات جمهورية أتاتورك الأولى، التي دامت قرنا من الزمن.

يبقى حريا بالرئيس الثالث عشر، أن يستهل ولايته الجديدة والأخيرة، بتحري السبل الكفيلة بتجاوز الأزمة الاقتصادية الطاحنة؛ بالتوازي مع رأب الصدع المجتمعي الناجم عن الاستقطاب السياسي والهوياتي الحاد، الذي خيم على أجواء الاستحقاقين الأخيرين. كما يجدر بالنخبة التركية جمعاء، العمل على كبح جماح النزعة القومية المفرطة، التي فرضها التنافس الانتخابي المحموم، على المزاج السياسي التركي.

مقالات ذات صلة