إيران الجديدة… “من رحم الحرب”

محمد أبو رمان

حرير- رافقت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران رهانات سياسية تجاوزت تدمير البرنامج النووي أو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، إلى تصوّر أوسع يتعلّق بمستقبل الدولة الإيرانية نفسها. فقد ساد في واشنطن وتل أبيب اعتقادٌ بأنّ الحرب ستفتح الباب أمام لحظة تأسيسية جديدة؛ عبر ولادة نظام سياسي مختلف في طهران، أكثر قرباً من الغرب وأقلّ ارتباطاً بالأيديولوجيا المناهضة له، أو بانفجار داخلي ينهي النظام. وبعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب، يظهر في مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) مقال مهمّ لفالي نصر ونرجس باجوغلي يقدّم قراءةً مختلفةً تماماً؛ فإيران التي خرجت من الحرب ليست إيران التي راهنت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل، بل دولة شرعت في إعادة ترتيب نفسها من الداخل، والجمهورية الإسلامية التي تتشكّل اليوم تختلف عن جمهورية علي خامنئي، لكن باتجاه أكثر تعقيداً ممّا توقّعه خصومها.

ليست أهمية المقال في خلاصاته فقط، بل في توقيته وصاحبَيه أيضاً. ففالي نصر من أبرز الباحثين الأميركيين المتخصّصين في إيران، وصاحب مشروع فكري طويل حاول فيه تفسير السلوك الإيراني من زاوية الدولة والاستراتيجية، لا من زاوية الخطاب الأيديولوجي وحده. ومن يقرأ مقاله أخيراً يكتشف أنّه يمثّل امتداداً طبيعياً لكتابه المهمّ عن الاستراتيجية الكُبرى لإيران، مع متغيّر جديد فرضته الحرب أخيراً، أنّ الجمهورية الإسلامية لم تخرج منها كما دخلتها.

ولافت أيضاً أن يأتي هذا المقال بعد العدد الذي خصّصته “فورين أفيرز” لمستقبل إيران، ويتضمّن عدة مقالات عميقة مهمّة عن إيران والحرب، وذلك يعكس تحوّلاً في النقاش داخل مراكز التفكير الأميركية. فقبل الحرب كان السؤال الأكثر تداولاً: كيف يمكن إسقاط النظام الإيراني؟ أمّا اليوم، فيبدو أنّ السؤال أصبح مختلفاً: أيّ نظام سياسي يتشكّل داخل إيران بعد الحرب؟ وهذا التحوّل في السؤال لا يقلّ أهميةً عن التحوّلات في إيران نفسها.

لا يتحدّث نصر وباجوغلي عن تغيير في الوجوه أو تبديل في السياسات، وإنّما عن مراجعات واسعة طاولت بنية الدولة نفسها: إعادة تنظيم المؤسّسة العسكرية، وتغيير آليات اتخاذ القرار، ومراجعة العقيدة الأمنية، وتطوير أساليب إدارة الحرب، وإعادة توزيع الصلاحيات داخل مؤسّسات الدولة، وصولاً إلى إعادة النظر في العلاقة بين السلطة والمجتمع. تحوّلت الحرب، وفق هذه القراءة، إلى مختبر ضخم دفعت فيه إيران أثماناً باهظةً، لكنّها خرجت أيضاً بدروس كبيرة.

وربّما تكون الفكرة الأكثر إثارةً في المقال الحديث عن انتقال مركز الثقل من الثورة إلى الدولة. لا يعني هذا أنّ الجمهورية الإسلامية تخلّت عن أيديولوجيتها أو عن ولاية الفقيه، فهذه استنتاجات متسرّعة، لكن الكاتبَين يلاحظان أنّ لغة الأمن القومي والمصلحة الوطنية والكفاءة المؤسّسية أصبحت أكثر حضوراً في خطاب النُّخبة الجديدة، وأنّ جيلاً صعد داخل الحرس الثوري والمؤسّسات الأمنية لم يعش الثورة كما عاشها الجيل المُؤسِّس، بل نشأ داخل مؤسّسات الدولة، وتشكّل وعيه في ظلّ العقوبات والحروب والتحدّيات الأمنية، أكثر من تشكّله في أدبيات الثورة الإسلامية الأولى.

تستحقّ هذه الملاحظة التوقّف، وإن لا تخلو من مبالغة. فالأيديولوجيا ما تزال عنصراً رئيساً في بنية النظام وشرعيته، لكنّ الحرب بالفعل سرّعت انتقال السلطة داخل المؤسّسات، وأعادت الاعتبار إلى الدولة بوصفها الإطار الذي تتحرّك من خلاله الأيديولوجيا، لا العكس، وهي ملاحظة تتقاطع مع ما شهدناه خلال الأشهر الماضية من بروز واضح لدور المؤسّسة العسكرية والأمنية في إدارة الملفّات السياسية والاقتصادية والإعلامية، بالتوازي مع تراجع الخطاب الثوري التقليدي.

يتوقّف المقال أيضاً عند التحوّل الذي طرأ على العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالحرب، بحسب الكاتبَين، أوجدت حالةً من الالتفاف الوطني حول الدولة، حتّى بين قطاعات كانت في مقدّمة الاحتجاجات قبل أشهر. ولا يبدو أنّ هذا الالتفاف جاء نتيجة اقتناع بالنظام، بقدر ما ارتبط بشعور واسع بأنّ البلاد نفسها أصبحت هدفاً للحرب. هنا برزت القومية الإيرانية بوصفها رافعةً سياسيةً جديدةً، وتحوّل الدفاع عن إيران إلى مساحة مشتركة بين مؤيّدي النظام وبعض معارضيه.

لكن هذه الفرضية تحتاج قدراً من التحفّظ، فالتجارب التاريخية تعلّمنا أنّ الحروب كثيراً ما تؤجّل الصراعات الداخلية، ولا تلغيها، والاحتجاجات التي شهدتها إيران والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والتوتّر القائم بين الدولة وقطاعات واسعة من الشباب والنساء، كلّها ملفّات لم تُحلّ، وإنّما تراجعت مؤقّتاً تحت ضغط الحرب. ولذلك، لن يكون السؤال الحقيقي كيف تصرّفت إيران في أثناء الحرب، وإنّما كيف ستدير مرحلة ما بعدها، ولعلّ المؤشّر المهم الذي يؤكّد ما نزعمه هنا الإشارات المهمة والمتعدّدة التي صدرت عن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وتُلمّح إلى انزعاجه من التيارات المتشدّدة، ومحاولة أحد الأطراف السيطرة على القرار السياسي، في ما قد يكون إشارة إلى الحرس الثوري وعسكرة النظام، فإذا كان التيار البراغماتي قد صمت خلال الحرب، فإنّ هذه السياسة لن تكون هي نفسها في مرحلة ما بعد الحرب.

إقليمياً، يلفت المقال إلى أنّ طهران أعادت تعريف أولوياتها الاستراتيجية، فمضيق هرمز، والشراكة مع الصين، وتطوير القدرات الصاروخية، وإعادة تنظيم العلاقة مع حلفائها الإقليميين، جميعها لم تعد ملفّات منفصلة، وإنّما أصبحت أجزاء من تصوّر أشمل للأمن القومي الإيراني. وهذه النقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الدول العربية؛ لأنّ إيران التي تتحرّك بمنطق الدولة القومية قد تكون أكثر براغماتية في بعض الملفّات، لكنّها ستكون أيضاً أكثر تمسّكاً بأوراق القوّة التي تراها جزءاً من أمنها الاستراتيجي.

يبقى أنّ القيمة الحقيقية لهذا المقال ليست في التسليم باستنتاجاته كلّها، وإنّما في نوع الأسئلة التي يطرحها. فهو يدعو إلى إعادة النظر في الصورة التقليدية التي حكمت كثيراً من التحليلات الغربية والعربية عن إيران. فالدول لا تبقى على حالها، والحروب الكُبرى كثيراً ما تعيد تشكيلها من الداخل بقدر ما تعيد رسم خرائط الصراع من حولها.

لهذا، ربّما لا يكون السؤال الأكثر أهميةً اليوم: من انتصر في الحرب؟ بل سؤال آخر أكثر عمقاً: أيُّ إيران خرجت منها؟ وإذا كانت الحرب قد أسهمت فعلاً في ولادة جمهورية مختلفة، فستكون المنطقة بأسرها أمام مرحلة جديدة تتطلّب قراءةً مختلفةً أيضاً. فالسياسات التي بُنيت على افتراض أنّ إيران تتّجه إلى الضعف أو التفكّك قد تحتاج مراجعة، تماماً كما تحتاج طهران نفسها إلى اختبار قدرتها على تحويل مراجعات الحرب إلى مشروع سياسي مستدام. الزمن وحده سيحسم ما إذا كانت “إيران الجديدة” تمثّل تحوّلاً بنيوياً طويل الأمد، أم أنّها مجرّد استجابة استثنائية لظرف استثنائي، لكنّ المؤكّد أنّ النقاش عن مستقبلها دخل بالفعل مرحلةً جديدةً.

مقالات ذات صلة