بعد نجاح الإضراب، فرصة للاستثمار في «الابتهاج الوطني»

حرير – ظهر الأردنيون يوم أمس وكأنهم تناولوا جرعة كبيرة جماعية من مضادات «الاكتئاب الاجتماعي» العام. إنه شهر استثنائي عاشه البلد. ولتأكيد ذلك، لنتذكر بسرعة محتوى النقاش الذي كان سائدًا في الأيام والأسابيع التي سبقت الإضراب؛ تذكرون حينها، الأخبارَ التي كان الناس يتناقلونها بكثافة وهي تحمل مشاهد العنف والاعتداءات وإطلاق النار في الشوارع والقتل والمشاجرات أمام النوادي الليلية… إلخ، لدرجة أثارت الرعب والقلق العامين.

مرة واحدة، وبعد الخامس من أيلول، انتقل النقاش الوطني العام ولمدة شهر كامل، إلى ميدان آخر مختلف تمامًا، بدأ بأخبار اعتصام المعلمين ومجرياته والاعتداء عليه، ثم انتقل إلى موضوع الإضراب الذي فتح قضايا وطنية واجتماعية كلية وجزئية، بعضها كان مسكوتًا عليه. لقد امتد النقاش بعيدًا عن المعلم والتعليم وصولًا إلى تفاصيل المجتمع والسياسة والاقتصاد، والماضي والحاضر والمستقبل. تكفي الإشارة إلى ما أثارته عبارة «نجوع معًا أو نشبع معًا» من خيال اجتماعي إيجابي واسع، فقد تحولت إلى شعار وطني كبير.

من الطبيعي أن الأمر لم يمر بسهولة، بل اتخذ شكل خلاف أو صراع بين المواقف. فالمسائل المطروحة جوهرية بحيث دفعت الكتل الاجتماعية والسياسية المختلفة إلى الدفاع عن موقفها وزاوية نظرها وبالدرجة الأولى مصالحها، وانعكس ذلك في مواقف الأفراد أيضًا وخاصة الذين يحتلون مواقع قيادية في الإعلام والثقافة.

ما هو «سرّ» المعلمين؟

بالمقارنة مع الفئات المهنية الأخرى، يشكل المعلمون الفئة الوحيدة الخالية من التراتبات الداخلية، بمعنى أنه لا توجد ظواهر مثل: «أثرياء المعلمين» أو «كبار المعلمين» أو «المعلمين المتنفذين»، وما شابه. إن الفروقات الداخلية على صعيد الدخل المالي تقاس بعشرات الدنانير، ويعرف صاحب الراتب الأدنى أنه سيصل إلى الراتب الأعلى، وهو بكل الأحوال راتب متواضع، كما بات معروفًا.

هذه «الميزة» ينفرد بها المعلمون مقارنة بأصحاب المهن الأخرى، كالمهندسين والأطباء والمحامين والمقاولين وغيرهم، ولكنها تحولت في الإضراب إلى ميزة إيجابية فعالة؛ فقد ساهمت في توحيد المكانات والأدوار داخل جسم المعلمين، بل إن القيادات النقابية لم تشذ عن هذه الميزة، إن زيارة واحدة إلى مقر النقابة وملاحظة أنواع وموديلات السيارات التي تصطف أمام المبنى توضح مستوى التقارب الاجتماعي وتواضعه، ومثل ذلك ملاحظة صنف الملابس والأحذية وما شابه. هذا فضلًا عن أن آفاق «الطموح المالي» داخل قطاع المعلمين محدودة للغاية.

يعيش المعلمون يوميات عملهم في مجموعات عمل صغيرة نسبيًا، تتفاوت بين مدرسة وأخرى، وقد أجريتُ سابقًا دراسة قصيرة حول طرق المعلمين في إدارة احتياجاتهم المالية، ولاحظت أن فئة المعلمين تعد من أبرز الفئات المُدبّرة، ويجري المعلم حساباته بشكل دقيق وتفصيلي إلى حد كبير، فحتى الإنفاق اليومي البسيط أثناء ساعات الدوام، على الشاي والقهوة مثلًا، يكون وفق حساب مفصل ومضبوط.

لكن وجود نقابة للمعلمين والدعوة الجماعية للاعتصام ثم الدخول في إضراب عام، منحهم مجالًا للشعور بالهوية الجماعية وبشكل ملموس، فضلًا عن التقنيات الجديدة التي أتاحت فرصة التواصل الحيوي وتبادل الأخبار ومشاركتها مع الآخرين، مكتوبة أو مصورة، وعلى مدار الساعة.

موقف الحكومة، ما الجديد؟

بعد يوم الخميس الشهير الذي استخدمت فيه الحكومة جهاز الأمن العام بالطريقة التي باتت معروفة والتي أسهمت في تفاقم الأزمة، وزودت المعلمين من حيث لم يحتسبوا بقدر كبير من التحفيز والتحشيد، تحوّلت الحكومة إلى استخدام أدوات أخرى، إدارية في الغالب، وغير أمنية عمومًا، مع استعانة واسعة بالأجهزة الإعلامية المختلفة. وقد اعترفت ضمنيًا ولكن بشكل فوري، بفشل هذه الأساليب.

بالتالي فقد تصدرت الحكومة المشهد في معظم أيام الإضراب، فساومت وضغطت وتنازلت بنسبة قليلة ثم زادت نسبة التنازل، وقدمت الاعتذار الذي تمنعت في البداية عن التعليق عليه. ثم توصلت إلى الاتفاق عبر الحوار المرير والمتواصل مع طرف نقابي يمثل قطاعًا هامًا ويتصل نشاطه بغالبية الفئات الشعبية، من دون ينتهي الملف بتوجيهات ملكية عليا، كما هو معتاد، تعمل في العادة على وقف النقاش، وإن برضى وقبول الأطراف المختلفة. وهو ما يتيح أمام الحكومة كغيرها من الأطراف فرصة الاستثمار فيما سميناه الابتهاج العام.

صراع اجتماعي حقيقي

منذ صباح السبت، كان من الواضح أن الأمور تتجه نحو الحل، فقد بدأ النهار برسالة رئيس الوزراء التي تضمنت الاعتذار وصيغت بعبارات تحمل معاني وقيمًا عليًا تخص التعليم والمعلم والبلد بصورة عامة، وهو ما أشاع جوًا من التفاؤل، ألقى بظلاله على نقاش الجمهور، معبرًا عنه على الأقل في التواصل الاجتماعي.

ولعبت مصادفة أن هذا اليوم، الخامس من تشرين الأول، هو يوم المعلم، دورًا إضافيًا، فقد استعاد المواطنون ذكرياتهم مع معلميهم، وتذكروا أسماء بعضها رحل، وبعضها غادر المهنة، ولكنه بالاجمال كان يومًا احتفاليًا، كانت خاتمته الاتفاق الذي رحبت به الأغلبية في أوساط المعلمين والناس عمومًا.

استثمار البهجة

مثل هذا المزاج الإيجابي لا يتكرر كثير في حياة الشعوب. وإذا كانت شتى الأطراف الحكومية والأهلية، تبذل الجهود وتنفق الكثير على حملات الترويج والتحشيد ورفع المعنويات العامة، لغايات القيام ببرامجها المختلفة على شتى الصعد، فإن حدث الإضراب ومجرياته ونتائجه، تتيح فرصة كبيرة لمن يريد أن يستثمر في حالة الابتهاج الوطني هذه.

إن الحكومة الحالية بالذات، التي ما انفكت تعمل منذ تشكيلها على الترويج لمجموعة برامجها تحت العنوان العريض «النهضة»، أمامها الآن فرصة لاختبار توجهاتها واستعادة الثقة بها، بل هناك فرصة للتحشيد التنموي الحقيقي، على أن تتخلص فعليًا، لا «قوليًا»، من فكرة أنها «هُزمت» او «تراجعت». إن الصراع الذي خاضته بما في ذلك القبول بقسم هام من مطالب المعلمين، يعد دلالة حيوية ومسؤولية عند الطرفين.

بالتوازي، فإن الأطراف المدنية في المعارضة والموالاة، في النقابات والأحزاب، التي اندفعت أو ترددت او شككت أو أيدت او عارضت، جميعها يمكن أن تستثمر في هذا الحدث، وهذا التمرين الميداني الكبير في الصراع الاجتماعي.

المعلمون تحملوا كافة التكاليف، وقدموا للجميع فرصة استثمارية متاحة لمن يرغب.

أحمد ابو خليل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة