
علاقات الشعبين الاردني والفلسطيني قصة ممتدة في عمق التاريخ
محمد العضايلة
لم تكن العلاقات الأردنية الفلسطينية في يوم من الايام علاقة جوار جغرافي أو تفاعل سياسي عابر، فهي قصة ممتدة في عمق التاريخ، متجذرة في الأرض والهوية، متشابكة في النسيج الاجتماعي والإنساني إلى حد يصعب معه الفصل بين الشعبين إلا على خرائط السياسة وحدودها المصطنعة. وعلى امتداد عقود تشكلت بينهما علاقة استثنائية قوامها وحدة المصير والتاريخ المشترك. وطوال الأزمات التي عصفت بالوطن العربي كان الشعبين في خندق واحد يتقاسمان التحديات ذاتها ويواجهان الأخطار نفسها. ولم تكن القضية الفلسطينية يوما قضية خارجية بالنسبة للأردن، بل كانت ولا تزال الجزء الأصيل في وجدان كل أردني، كما أن الأردن لم يكن يوماً بالنسبة للفلسطينيين سوى عمق استراتيجي وحاضنة إنسانية وسياسية.
هذه العلاقة لم تبق في إطار الشعارات والمثاليات المصطنعة بل تجسدت على أرض الواقع في أفضل صورها من خلال التداخل السكاني الكبير ، فالمحافظات الأردنية تحتضن مزيجا فريدا من العائلات الأردنية ذات الأصول الفلسطينية، في نسيج اجتماعي واحد، لا يمكن تفكيكه أو تصنيفه بسهولة. كما أن العلاقات العشائرية الممتدة عبر ضفتي نهر الأردن عززت هذا الترابط، من خلال تقاطع الأنساب وتداخل العائلات.
المصاهرة كانت ولا تزال من أبرز مظاهر هذا الاندماج العميق إذ لا تكاد تخلو عائلة أردنية من روابط نسب مع عائلة فلسطينية، والعكس صحيح. وهذه الروابط لم تخلق مجرد علاقات اجتماعية، بل أسست لحالة من التلاحم الإنساني، جعلت من الحديث عن (شعبين) أمرا أقرب إلى التقسيم النظري منه إلى الواقع الفعلي، فالحقيقة أن ما يجمع الأردنيين والفلسطينيين يتجاوز بكثير ما قد يفرقهم.
مناسبة الحديث الذي لا ينتهي، ما نشهده اليوم من إنتشار ظاهرة مقلقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، تتمثل في ما يعرف بـ(الذباب الإلكتروني الموجه) نحو هذا النسيج المتجانس، يسعى بشكل ممنهج إلى بث الفتنة وتأجيج الخلافات واستحضار سرديات مشوهة تهدف إلى ضرب عمق هذه العلاقة التاريخية. هذه الحسابات التي تعمل غالبا ضمن أجندات مشبوهة لا تعكس الرأي العام الحقيقي بقدر ما تحاول صناعة واقع افتراضي قائم على الكراهية والانقسام.
خطورة هذا (الذباب الإلكتروني) لا تكمن فقط في المحتوى الذي يروج له بل في قدرته على استغلال العواطف وتحويل الأحداث الفردية إلى قضايا عامة وبث الشكوك بين أبناء المجتمع الواحد. وهنا تبرز حقيقة جوهرية لا بد من التأكيد عليها، وهي أن أي حالة فردية مهما كانت حدتها أو صداها لا يمكن أن تعمّم على مجتمع بأكمله، ولا يجوز أن تتخذ ذريعة للحكم على شعب بأسره. كما أن لكل فرد مسؤوليته الشخصية في التعبير عن آرائه ومواقفه وهو وحده من يتحمل تبعات ما يطرحه أو ينشره دون أن يحمل المجتمع بأكمله وزر تلك المواقف والخلط بين الفردي والجماعي هو أحد أخطر الأساليب التي يعتمدها هذا الخطاب الموجه لأنه يسعى إلى خلق صورة نمطية زائفة تغذي الانقسام وتعمق فجوة الثقة بين أبناء النسيج الواحد.
الحفاظ على متانة العلاقات الأردنية الفلسطينية ليس خيارا او ترفاً بل هو ضرورة وطنية وقومية تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، فالوحدة الاجتماعية والإنسانية بين الشعبين تشكل ركيزة أساسية للاستقرار وأي محاولة للنيل منها إنما تستهدف إضعاف الجميع دون استثناء. وتبقى العلاقة التي تجمع الشعبين الاردني والفسلطيني علاقة صاغتها الدماء والتضحيات، ورسختها القيم والعادات، وحمتها الروابط العائلية والعشائرية. علاقة لا يمكن أن تختزل في منشور عابر ولا أن تهددها حملات تشويه منظمة، لأنها وبكل بساطة علاقة شعب واحد وإن تعددت المسميات.
#العلاقات_الأردنية_الفلسطينية
#الأردن_و_فلسطين



