في المشهد الإسرائيلي… الانتخابات وما بعدها

وجيه عزايزة

حرير- تكتسب الانتخابات الإسرائيلية التي انتظمت الأسبوع الماضي أهمية تاريخية بالنسبة لإسرائيل ومستقبلها، ولا سيما أنها جاءت في أعقاب سلسلة من الأحداث المفصلية؛ بدءاً من التطورات في قطاع غزّة، وصولاً إلى صراعات إسرائيل مع كل من لبنان وسورية وإيران، حيث أدّت المواجهة مع الأخيرة، ولأول مرة، إلى انخراط الولايات المتحدة عسكرياً بشكل مباشر في الصراع. ويضاف إلى ذلك الاعتداءات الوحشية في القدس، (وقد طاولت مقدّساتها الإسلامية والمسيحية) وفي الضفة الغربية، إلى جانب ممارسات المستوطنين العدوانية التي لا تجد من يردعها. وقد فشلت إسرائيل في حسم أيٍّ من هذه القضايا بشكل نهائي، أو في إعادة تشكيل الصراع الإقليمي وفقاً للرؤية التي كانت تطمح إليها. وفي الوقت نفسه، يلوح في الأفق احتمال نشوب صراع أوسع نطاقاً، تغذيه تحولات جوهرية؛ كتوسع إيران وما يُعرف بـ “محورها”، وامتداد نفوذها وصولاً إلى مضيق باب المندب، فضلاً عن تطورات الأوضاع في سورية. وعلاوة على هذا، يشير دخول فاعلين إقليميين جدد (تركيا مثلاً) إلى جانب الأدوار التي تلعبها قوى دولية كبرى، كالصين وروسيا، إلى احتمالية حدوث إعادة تشكيل جغرافية وديمغرافية جديدة للمنطقة بأكملها.

وسيترك غياب نتيجة حاسمة المجتمع الإسرائيلي في حالة من القلق والخوف، فقد أخفقت صناديق الاقتراع في تحديد الملامح المستقبلية لهذا المجتمع؛ وبدلاً من هذا، أكّدت نتائج الانتخابات أن المجتمع الإسرائيلي يتألف من أربع شرائح متصارعة، وهي شرائح، رغم تقارب نسبها العددية، تتمتع كل منها بوزن وتأثير كبيرين: الصهيونية العلمانية: وهي الركيزة الأساسية للدولة، وتشكّل أكثر من 60% من السكان. تنقسم هذه الفئة إلى تيارات يسارية ووسطية ويمينية؛ ورغم اختلافها في الفلسفات الاجتماعية، تلتقي إلى حد كبير حول الحلول السياسية، ولا سيما في ما يتعلق بحقوق الفلسطينيين ومبدأ قيام دولة فلسطينية… الصهيونية الدينية: سعت هذه الحركة إلى ربط الدين بالقومية في مسارها السياسي، متبنية المنطق التاريخي لـ”الدولة الدينية”، وهو مفهوم حاول التيار العلماني تجاوزه. وقد اتخذت هذه الحركة طابعاً ثيوقراطياً (دينياً) متشدداً بشكل متزايد، ممتدةً من نهج مائير كاهانا وصولاً إلي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأمثالهما… الحريديم (اليهود الأرثوذكس المتشددون): تتزايد أعدادهم بسرعة، ويتوسع تأثيرهم في الحياة السياسية، رغم تراجع نسبة مشاركتهم في التصويت أخيراً؛ وهو تراجعٌ يُعدُّ ردَّ فعلٍ على بنيامين نتنياهو وطريقة تعامله معهم. وتتمحور اهتماماتهم الرئيسية حول المخصّصات المالية، والإعفاء من الخدمة العسكرية، ودعم المدارس الدينية (اليشيفوت). وهم يتسمون ببراغماتية عالية، حيث يبدون استعداداً للتعاون مع الكتل السياسية، يسارية ويمينية، بشرط ضمان مصالحهم في أي حكومة مستقبلية…

الفلسطينيون داخل الخط الأخضر”: أؤكدهما على هذا المصطلح تحديداً، لأن إصرار إسرائيل على تسميتهم “عرب الـ 48″ محاولة متعمّدة لمحو اسم ‘فلسطين”. وتهدف هذه التسمية إلى إيهام العالم (ولا سيما الغرب) بأن هؤلاء الأفراد ليسوا من السكان الأصليين لأرض فلسطين، بل جاؤوا من المنطقة العربية المحيطة. كما تخدم هذه الرواية التمهيد لاحتمالية سحب جنسيتهم وطردهم في نهاية المطاف. علاوة على ذلك، عانت هذه المجموعة أيضاً الظلم الذي لحق بها من العالم العربي الأوسع (نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور)، ما أدّى في مرحلة ما إلى تصنيفهم “إسرائيليين”. وبوصفهم “العرب الفلسطينيين”، يتضح أنهم يمثلون حجر الزاوية في مسار الأحداث.

وفي ما يتعلق بنتائج الانتخابات، كان الائتلاف الحاكم السابق يشغل 64 مقعداً في الكنيست؛ 32 لحزب الليكود، و18 للأحزاب الحريدية و14 لكتلة الصهيونية الدينية. ولافت أن الائتلاف خسر 11 مقعداً في المجموع؛ إذ تراجع رصيد “الليكود” من 32 إلى 27 مقعداً، وانخفض نصيب الأحزاب الحريدية إلى 13، وهي خسارة ملموسة. وجاءت هذه الزيادة على حساب معسكره [معسكر نتنياهو] نفسه؛ وتحديداً بخسارة خمسة مقاعد من حصة “الحريديم” ومقعد واحد من معسكر الصهيونية الدينية. ويُعزى هذا إلى الحملة التحريضية التي شنها نتنياهو، وركزت حصراً على دعم “الليكود”، بينما امتنع عن الدعوة لصالح الائتلاف أو الفصائل الأخرى داخل معسكره. وقد أدّى هذا إلى نشوء شرخ بينه وبين “الحريديم” على وجه الخصوص. وفي المقابل، حصل “معسكر التغيير” على 48 مقعداً، وهذا إنجاز متواضع مقارنة بالمقاعد الـ 46 التي كان يشغلها هذا المعسكر في البرلمان السابق، ما يشير إلى أنه فشل في الاستفادة الكاملة من تراجع الائتلاف الحاكم. علاوة على هذا، لم يحصل أيزنكوت، رغم خلفيته العسكرية وكونه رئيساً سابقاً للأركان، سوى على 20 إلى 21 مقعداً. وربما لعبت أصوله “مزراحياً” يهودياً (من أصول شرقية/ سفاردية) دوراً في هذا؛ فإن يصل إلى منصب رئيس الوزراء، فسيصبح أول “شرقي” يتولى هذا المنصب، ما سيشكّل تحوّلاً تاريخياً مهمّاً. وعند تدقيق التصويت لدى الطائفة الدرزية، يتضح أن أصواتها ذهبت إلى أقل من 20% إلى معسكر اليمين، وذهب الباقي إلى ليبرمان وأيزنكوت والقائمتين العربيتين، الموحدة والمشتركة، وحصدت هذه الطائفة على ثلاثة مقاعد من الكتل المختلفة، ولم تفلح محاولات نتنياهو استغلال أحداث السويداء في سورية لصالحه.

وتفيد الملاحظات والاستنتاجات بأن المجتمع الإسرائيلي يواصل ميله نحو اليمين؛ فقد حصل الحزب الأكثر اعتدالاً (الديمقراطيين) على ثمانية مقاعد فقط، رغم أن جزءاً من قاعدته الانتخابية من الفلسطينيين. وفي المقابل، ذهبت المقاعد الثمانون التي تسيطر عليها الكتل اليهودية والصهيونية (باستثناء “الحريديم”) لصالح اليمين العلماني في المعسكرين السياسيين.

أما ارتفاع نسبة التصويت في أوساط المجتمع الفلسطيني، وهو مستوى لم يُشهد له مثيل منذ 1999، حيث قفزت المشاركة من 52% في الانتخابات السابقة إلى نحو 80% في انتخابات الأسبوع الماضي، فيُعدّ رد فعل على الاضطهاد الذي تواجهه هذه الفئة؛ ويشمل تفشي الجريمة المنظمة وتجارة المخدّرات (غالباً تحت حماية الشرطة) إلى جانب مظالم أخرى محددة. علاوة على تعاطفهم مع ضحايا العدوانية الإسرائيلية المتوحشة في غزّة والضفة الغربية، والانتهاكات بحق المسجد الأقصى وغيره من المقدّسات الإسلامية والمسيحية، فضلاً عن التوتر الإقليمي العام، عوامل حاسمة في تعزيز هذه المشاركة. وقد تؤثر هذه النسبة المرتفعة من المشاركة على تشكيل الحكومة المقبلة، في ظل الانقسامات العميقة داخل المجتمع الصهيوني-اليهودي.

ويبدو من الصعب على نتنياهو تشكيل الحكومة، نظراً إلى التناقضات الداخلية في ائتلافه الحالي (ولا سيما في ما يخص “الحريديم”)، وصعوبة ضم أي فصائل من معسكر التغيير (مثل التي يقودها ليبيد أو بينيت أو ليبرمان). كما أن الخلافات الحادّة التي يخوضها نتنياهو مع جميع الأطراف (داخل ائتلافه وخارجه) تشكل عاملاً شخصياً يزيد من تعقيد العملية. وللأسباب نفسها، ستبرز صعوبات مماثلة إذا ما حاول شخصٌ مثل أيزنكوت، من معسكر التغيير، تشكيل حكومة تضم كتلاً من الائتلاف الحاكم حالياً. وتكمن الصعوبة في تشكيل حكومة وحدة، والابتعاد عن “الصهيونية الدينية” في إصرار نتنياهو على تولي منصب رئيس الوزراء، باعتبار حزبه الأكبر؛ ومن شأن هذا الأمر أن يؤدّي، على الأرجح، إلى تصدّعات داخل معسكر التغيير. وإذا ما استُبعدت السيناريوهات المذكورة، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً: تشكيل معسكر التغيير (48 مقعداً) حكومة تحظى بتغطية في البرلمان من القائميتن العربيتين. وتشكيل حكومة تتألف من المعسكر نفسه والأحزاب الحريدية (13 مقعداً)، ليبلغ المجموع 61 مقعداً. ومن المرجّح ألا تمانع الأحزاب الحريدية هذا الترتيب، بشرط تلبية مصالحها. وإذا أصر ليبرمان على رفضه مشاركة الحريديم، يمكن انضمام القائمة العربية الموحدة إلى الائتلاف، مع حصوله على دعم خارجي من “القائمة المشتركة”؛ وهو ما سيُنتج أغلبية مريحة. وقد يكون ضم “الحريديم” المسار الأسهل، بافتراض أن الهدف الرئيسي لجميع الأطراف إزاحة نتنياهو وتيار “الصهيونية الدينية” عن السلطة. ومن المرجح أن يحظى هذا الخيار بدعم دولي واسع. وهناك احتمال إجراء انتخابات جديدة؛ لكن هذا الخيار سيواجه معارضة من “معسكر التغيير” والقائمتين العربيتين، كونه يخدم في المقام الأول مصالح نتنياهو… وبشكل عام، تسلط هذه السيناريوهات الضوء على حجم الهزيمة التي مني بها نتنياهو، ما يجعله مقيّداً بمعادلات سياسية صعبة ومعقدة؛ وهو وضع قد يدفعه إلى الإقدام على مغامرة جديدة ومحفوفة بالمخاطر، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.

باختصار، يتعلق ما جرى بمكون فلسطيني ظل مهمّشاً منذ تأسيس إسرائيل عام 1948. في السابق، لم تكن هذه المجموعة ممثلة إلا من خلال حزب راكاح (الحزب الشيوعي سابقاً، “حداش” حالياً)، أو عبر قوائم مثل “مابام” أو ماباي” (حزب العمل + حزب العمّال).

لم يتغيّر هذا الوضع حتى منتصف الثمانينيات، ظل تأثير هذا المكون هامشياً، رغم الأحداث الجسام التي شهدتها المنطقة. أما اليوم، وفي أعقاب عملية التصويت هذه، فقد بات هذا المكوّن عنصراً حيوياً وجوهرياً في تشكيل المسار المستقبلي لإسرائيل. ومن المرجّح أن يشكل هذا التطور صدمة للفكر الصهيوني، ما قد يدفع نحو محاولات مستقبلية لابتكار أطر جديدة، تبدو ديمقراطية في ظاهرها، لكنها تندرج ضمن الهيكل الديمقراطي القائم للدولة، المصمّم في جوهره لخدمة طابعها الصهيوني اليهودي، تهدف تحديداً إلى كبح نفوذ هذه المجموعة السكانية.

ويظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يعكس المشهد السياسي الراهن داخل هذا الكيان مجتمعاً سليماً، أم مجتمعاً مضطرباً ينوء تحت وطأة التوترات، ويحمل في طياته بذور الضغينة وعدم الاستقرار المستقبلي؟ فبعد أن بلغ هذا الكيان ذروة قوته، التي تأسّست على نهج الهيمنة والقوة الغاشمة، ومن خلالها خاض معارك كبرى ومصيرية، يبدو اليوم كأنه يسلك منحنى تنازلياً.

قد يؤدّي ظهور هذه المشكلات العميقة والبنيوية إلى صراعات داخلية، وربما حتى إلى حربٍ أهلية سياسية. وقد يفضي سيناريو كهذا، في نهاية المطاف، إلى نشوء هياكل اجتماعية جديدة ورؤى بديلة للتعايش، في وقتٍ تحاول فيه المكونات المختلفة داخل هذا المجتمع التعامل مع واقع تغيّر جذرياً، سواء من حيث تركيبته أو من حيث تعريفه نفسه.

مقالات ذات صلة