
عن أوروبا الهرمة والمهاجرين والحَرَد: دفاعاً عن «الثقافوية المفتوحة»
وسام سعادة
حرير- مهاجرون يتنكبون المشاق في ارتحالهم شمالاً، حتى إذا بلغوا ما طالما حلموا ببلوغه، وجدوا أنفسهم في خضم اضطراب عصابي كثيف. فما تراءى لهم، من بعيد، فضاءً للإفلات من العسف والفاقة والانسداد، يستحيل فضاءً للتشظي بين هشاشة وأخرى، وللتأرجح بين تمثل الغيب ومحاكاة العدم. يكتشفون رِقهم ورذاذ مواطنيتهم دفعةً واحدة. فلا يُنفى المهاجر إلى خارج السور، بل يُحتجز على حافته، مطالباً بأن يفتدي إقامته بتنازل متواصل عن فرادته، وأن يقيم قبالة مرآة لا ترد إليه سوى شظايا هوية متآكلة، لم يعد يقيم أودها غير تآكلها نفسه.
مجتمعات شمالية تشيخ، وتتوجس من الشباب الوافدين إليها. شهدت شرائح واسعة من العاملين بأجر فيها تباطؤاً في نمو أجورها الحقيقية، واتساعاً في الهوة بين نصيب العمل ونصيب رأس المال من مكاسب الإنتاجية، لكنها تتشبث بموروث دولة رفاه شاحبة، وبأنظمة تقاعد وحماية اجتماعية تتصدع، فيما ترتحل صناعاتها إلى أصقاع أخرى. تحتاج إلى الهجرة لترميم اختلال التوازن بين الأجيال وسد نقص العمالة، لكنها ترتاع من التحولات البشرية والثقافية الملازمة لها. تحن إلى مكانتها الإمبراطورية، فتتذكر فرنسا أن بعض تلك المكانة لا يُستعاد من دون «أفريقيا الفرنسية». تريد تجديد قواها من دون الإقرار بتبدل تركيبها البشري، وصون نمط عيشها من دون تحمل شروط إعادة إنتاجه.
غير أن المهاجرين لا يعبرون الحدود بوصفهم قوة عمل مجردة تُدرج في الحسابات الديموغرافية. يحملون أنماط عيش وشبكات قرابة بعثرتها المسافات، وذاكرات جمعية محتقنة تستولد من جراحها «أخلاق الحنق»، وممارسات رمزية يتنازعها الحنين والنقمة، على بلاد المنشأ والمتروبول معاً. قد يجتمع فيهم النفور من بلاد لم تعد لهم والتعلق المسموم ببلاد لا يجدون أنفسهم فيها. فلا عودة ممكنة إلى ما كانوا عليه، ولا استحالة تامة إلى ما يُطلب منهم أن يصيروه.
ثمة شيء هيغلي في علاقة أوروبا بمهاجريها الجنوبيين، لكن من دون ضمانة هيغلية للمصالحة. فالذات لا تبلغ الوعي بنفسها بالانكفاء، بل عبر توسط الآخر وصراع الاعتراف. وها هي المجتمعات الأوروبية بإزاء تناقض يمس استمرارها: أن يغدو تجددها مرهوناً بمن تأبى الاعتراف به شريكاً في تعريفها. والمهاجر لا يبتغي أن يكون بدناً منضبطاً فحسب، بل ذاتاً لها نصيب في تعريف العالم المشترك. على أن المهاجر، في الأعم الأغلب، ليس ابن سينا ولا ابن رشد؛ لا يحمل حكمةً تقلب عالم المتروبول، ولا يملك للمساومة على موضعه فيه سوى قوة عمل هشة يعرضها للبيع تارةً، وثقل بطالة ينوء به تارةً أخرى. أما ماهيته فلعلها الحَرَد: الحَرَد الذي يعتاش من الإقصاء ويعيد إنتاجه.
يمكن التغليظ في ضبط الهجرة، لكن من بمستطاعه وقف تدفقاتها ما دامت أحوال الجنوب العالمي تتردى؟ ويمكن التشدد في القوانين، وفي اللاقوانين أيضاً، لكن أنى لدولة أن تستصدر قانوناً يعيد الشباب إلى مجتمع شائخ، أو يأمر الناس بالإنجاب فينجبوا؟
بلغ معدل الخصوبة في الاتحاد الأوروبي 1,34 طفل للمرأة سنة 2024، وبلغ العمر الوسيط لسكانه 44,9 عام مطلع 2025. ومع ذلك، في فرنسا، يُستدعى ارتفاع نسبة المواليد لأب أو أم مولودين خارج البلاد لاستحضار شبح مستقبل غريب عن الصورة التي تتخيلها الأمة لنفسها. تغدو الولادات مصدر فزع في مجتمع يشكو من انحسارها. وليست الشيخوخة متساوية: تواجه إيطاليا وإسبانيا واليونان والبرتغال اختلالات أشد حرجاً في جوانب عدة، فيما تستنزف الهجرة غرباً شبابَ أوروبا الشرقية. ولئن خففت الهجرة اختلال التوازن بين الأجيال في فرنسا وألمانيا، يبدو الوعي السياسي بهذه الصلة أوضح في الثانية. أما إريك زمور فيلوح بالمواليد المنحدرين من أصول غير أوروبية، كأن المشكلة فيمن يولدون لا فيمن يكفون عن الولادة.
الأشد إثارة للقلق من تراجع الخصوبة انحسار الممارسة الجنسية نفسها. اقترنت اللحظة البنيوية، خصوصاً مع فوكو في «الكلمات والأشياء»، بإعلان «موت الإنسان». واليوم كأننا نقترب من إعلان «موت الجنس». تُظهر دراسات مقارنة بين الأجيال تراجع الممارسة الجنسية لدى شرائح شبابية في مجتمعات الشمال، وعودة أشكال من العذرية المتأخرة، وسط مؤشرات متفاوتة على انحسار الحميمية. كأننا ننتقل من أزمة إعادة إنتاج السكان إلى أزمة شروط اللقاء بين الأجساد نفسها. وهذه ليست معضلة تحلها جلسات علاج جنسي كوكبية. فهل نأمر الناس بترك أعمالهم والشروع في التكاثر؟ من يُنتظر منهم تجديد النوع نجد بعضهم يحطمون واجهات المتاجر للاستيلاء على أحذية نايكي وأديداس، هي فيتيشية التمرد السلعي.
هذه مسائل يحجر اليسار على تناول بعضها أكثر من اليمين. الأخير يجاهر فيها، ليس فقط بسعار، انما كي يخفي أيضا ما يعتمل بتوتر شديد في مخياله. ففي تصورات قطاعات واسعة منه، ليست المسألة هجرةً أو اندماجاً أو علمانيةً أو هويةً ثقافية، بل صراعاً بين عرقين. وما عدا ذلك تلبيس النازع العرقي لبوساً ثقافياً قابلاً للتداول.
أما بعض اليسار الأكاديمي، المفترض به تفكيك هذا التصور، فتورط في معمعة نظرية مع تبني «النظرية النقدية للعرق». صحيح أنها نشأت لنقد العنصرية البنيوية، وأنها تتعامل مع العرق بوصفه بناءً تاريخياً لا طبيعةً بيولوجية؛ لكن هل يمكن جعله مقولةً تفسيرية مركزية من دون المجازفة بإعادة تثبيت التقسيمات التي نريد تفكيكها؟ يمين يُضمر تفسيراً عرقياً ويُلبسه لغة الثقافة، ويسار ينقد العنصرية لكنه يخاطر، في بعض صياغاته، بإعادة تأسيس التحليل على العرق. يوحي اليسار كما لو أنه لا يباشر بعمل المطلوب، أي ربط الانقسامات الطبقية بتلك الاثنية، حتى ينزلق الى الحسبة الإثنوية، أو يعود فيقزم تلك الأخيرة نحو المقاربة الطبقوية حينا، والشعبوية – الشعب كله خير ناقص بضعة أنفار شريرين – حينا آخر. هذا في مقابل يمين آخذ حتى وسطه من الآن فصاعدا لاعتبار إما أن الناس مبرمجة «بيولوجيا بحكم دينها» أو مبرمجة «دينيا بحكم بيولوجيتها» فهي مخربة.
يبقى، مع هذا أن قليلا من الثقافوية لا غنى عنه. بل يمكن ابتداع نوع مفتوح منها، قوامه لنظر إلى الثقافة بوصفها نسقاً رمزياً وتاريخياً يسهم في تشكيل الوعي والممارسة، من دون تحويله إلى سجن هوياتي. للثقافة فاعليتها ومنطقها التاريخي الخاص، وإن كانت لا تكف عن التحول بفعل الصراع والاختلاط والتهجين والتاريخ.
وفي تاريخ الأنثروبولوجيا، قامت مدرسة «الثقافة والشخصية»، ولا سيما مع روث بندكت ومارغريت ميد، وشهدت على أن الثقافوية كانت أيضاً اتجاهاً ومدرسة وحقبة في تطور المعرفة، لا مجرد إغلاق أيديولوجي. يكتسب مفهوم «أنماط الثقافة» عند بندكت أهمية خاصة: فإزاء اتساع الإمكانات السلوكية البشرية، تنتقي كل ثقافة قوساً منها وتنسج منه اتساقاً رمزياً وقيمياً. ليست الثقافة طبيعةً موروثة، بل تشكيل تاريخي لطرائق الإحساس والتصرف والحكم. ولا يعني اتساقها أن أفرادها نسخ متطابقة أو أن حدودها عصية على الاختراق.
لذلك لا موجب لإنكار أنماط ثقافية اضطرابية في بعض أوساط الشباب من أصول مهاجرة في الضواحي الباريسية، لمجرد أن اليمين الشعبوي يستثمر الإقرار بها. لهذه الأنماط تصوراتها عن الذكورة والكرامة والإهانة، وصلاتها بالعنف والسلطة والاعتراف؛ ولا تُختزل إلى الأصول، ولا إلى الشروط الاقتصادية والمؤسسية، وإن تشكلت بالتفاعل معها. وليس تفسيرها تبريراً لها، مثلما أن نقدها ليس حكماً على جميع أبناء المهاجرين.
ليس ينفع الاختيار بين حتمية عرقية تُموه نفسها بالثقافة، وحتمية اجتماعية تُلغي الثقافة خشية العنصرية. الثقافوية المفتوحة هي تلك التي تأخذ الثقافة على محمل الجد من دون أن تؤبدها، وتفسر السلوك من دون أن تبرره، وترفض العنصرية من دون أن تجعل رفضها ذريعة للامتناع عن معرفة ما يجري. فتاريخية الظاهرة لا تنفي واقعيتها، ونزع صفة القدر عن الثقافة لا يستلزم نزع صفة الفعل عنها.



