
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ
تركي الدخيل
حرير- اتَّفَقَ العُقَلَاءُ مُنْذُ الأَزَلِ، عَلَى أَنَّهُ:
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ
وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
وكُنتُ قَرَأتُ كَلَاماً فِي كِتَابِ: «المَنْهَجُ المَسْلُوك فِي سِيَاسَة المُلُوك»، لِقَاضِي طَبريا، الشَّافِعِيّ، أَبُو النَّجيبِ جَلَالِ الدّينِ العَدَوِيّ الشَّيزَرِيّ (ت590هـ=1094م)، حَسِبتُهُ قَاسِياً، ثُمَّ تَرَاجَعْتُ عَنْ ذَلِكَ، بَعْدَ تَفْكِيرٍ وَتَأَمُّل. يَقُولُ:
«وَقَدْ قِيلَ: الرَّعِيّةُ بِلَا وَالٍ كالأنعامِ بِلَا رَاعٍ، فَانْظُر سَائِمَةَ الأَنعَامِ فِي مَراعيها، إِذا خَلَت مِنْ رَاعيهَا، مَا أَشَدَّ اخْتِلَالَ حَالِهَا، وَاخْتِلَافَ أفْعَالِهَا، بَل الرَّعِيةُ أَشَدُّ اختلالاً وَأكْثَرُ اخْتِلَافاً، فَلَا بُدَّ مِنْ زعِيمٍ يَمْنَعُهُم مِنَ الْمَظَالِمِ، وَيَفْصِلُ بَينهم فِي التَّنَازُعِ والتخَاصُمِ، وَلَوْلَاهُ لكَانوا فوضىً مُهْمَلِين، وَهَمَجاً مُضَاعِين».
وَنَقَلَ ابْنُ الأَزْرَقِ، في (بدائع السلك في طبائع الملك)، قول سيف الدين الآمدي:
«وَلذَلِكَ نَجِدُ مَنْ لَا سُلْطَانَ لَهُم كالذِئَابِ الشَّارِدَةِ وَالْأُسُودِ الضَّارِيَةِ لَا يُبْقِي بَعضهم عَلَى بَعْضٍ وَلَا يُحَافِظُونَ عَلَى سُنَّةٍ وَلَا فَرْض».
وَبَيْتُ القَصِيدِ، لِلشَّاعِرِ الجَاهِلِي الأَفْوَهِ الأَوْدِيّ، وَهْوَ قَوْلُهُ:
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ
وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الأًمِينُ الشَّنْقِيطِي، فِي «أضواءُ البَيَان»:
«أيْ: لَا تَصْلُحُ أُمُورُهُمْ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ فَوضَى، أيْ مُتَسَاوِينَ، لَا أَشْرَافَ لَهُمْ، يَأْمُرُونَهُمْ وَيَنْهَونَهُمْ».
فَوْضَى: فَوْضَى، كسَكْرَى: مُتَسَاوُونَ لَا رَئِيسَ لَهُمْ، النَّاسُ فَوْضَى، أَي مُتَفَرِّقُونَ، قَالَهُ اللَّيْثُ. وقيلَ: هُم الّذِينَ لَا أَمِيرَ لَهُم، وَلَا مَنْ يَجْمَعُهُم. وأَمْرُهُم فَوْضَى بَيْنَهُم. كما عند مرتضى الزُّبَيْدِي، فِي «تَاجُ العَرُوس».
سَرَاةُ القَومِ: سَادَتُهُم ورُؤَسَاؤُهُم. وَاخْتَارَ سَرَاتَهُم: أَي خِيَارَهُم.
المَعْنَى: لَا بُدَّ لِكُلّ أُنَاسٍ مِنْ سَيِّدٍ وَزَعِيمٍ، يَكُونُ مِنْ خِيَارِ القَوْمِ، وَعُقَلَائِهِمْ، وَذَوِي الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ فِيهِمْ. وَمَنْ عَاشَ بِلَا زَعِيمٍ فَعِيشَتُهُ طَالِحَةٌ لَا صَالِحَة، وَحَيَاتُهُ فَوْضَى.
ولا خَيْرَ فِي حَيَاةِ قَوْمٍ بِلَا زَعِيمِ، وَلَا خَيْرَ فِي قَوْمٍ يَتَزَعَّمُهُمُ الجُهَّال.
وَهَذَا الأَمْرُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الدُّوَلِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ المُؤَسَّسَاتِ، وَالشَّرِكَاتِ، وَالجَمْعِيَاتِ، وَكُلَّ أَمْرٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ مَجْمُوعَةُ أُنَاسٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ الأَلْبَانِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الأَفْوَهُ الأَوْدِيُّ (ت 54 ق. هـ = 570 م):
اسْمُهُ: صَلاءَةُ بنُ عَمْروِ بن مالكٍ، أبُو رَبيعَة، من بَنِي أَوْدٍ، مِنْ مَذْحِج.
لُقِّبَ بِالأَفْوَهِ، لِأَنَّهُ كَانَ غَلِيظَ الشَّفَتَينِ ظَاهِرَ الأَسْنَان.
وَهُوَ شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ فَحْلٌ، كَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، وَقَائِدَهُم فِي حُرُوبِهِمْ، وَعَدَّهُ العَرَبُ مِنْ حُكَمَائِهِم.
وَبَيْتُ القَصِيدِ مِنْ قَصِيدَةٍ فِيهَا حُضُورٌ وَافِرٌ لِلْحِكْمَةِ، وَمِنْ أَبْيَاتِهَا قَوْلُهُ:
تُلفَى الأُمُورُ بِأَهْلِ الرُشْدِ مَا صَلَحَتْ
فَإِنْ تَوَلَّوا فَبِالأَشْرَارِ تَنْقَادُ
إِذَا تَوَلَّـى سَـرَاةُ القَومِ أَمْرَهُمُ
نَمَا عَلَى ذَاكَ أَمْرُ القَومِ فَـازْدَادُوا
وَالْخَيْرُ تَزْدَادُ مِنْهُ مَا لَقِـيتَ بِهِ
وَالشَّرُّ يَكْفِيكَ مِنْهُ قَلَّ مَا زَادُ
وَالبَيْتُ لَا يُبْنَى إِلَّا لَهُ عَمَدٌ
وَلَا عِمَادَ إِذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ
فَـإِنْ تَجَـمَّعَ أَوتَادٌ وأعْمِدَةٌ
وَسَاكِنٌ بَلَغُوا الأَمْرَ الَّذِي كَادُوا
وهَذا أشردُ مثلٍ قيلَ في مَعْنَاهُ.
وَالمُلَاحَظُ أَنَّ الشَّاعِرَ عَبَّرَ لِلدلَالَةِ عَلَى العَطَاءِ فِي الحَيَاةِ، وَالعَمَلِ وَالإِنْتَاجِ، بِالبِنَاءِ. وَكَثِيراً مَا اسْتَخْدَمَ العَرَبُ البِنَاءَ تَعْبِيراً عَنْ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ البِر، فِي «جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلُه»، عَنِ الشَّاعِرِ العَبَّاسِي: صَالِحِ بْنِ عَبْدِالقُدُّوس:
مَتَى يَبْلُغُ البُنيَانُ يَوْماً تَمَامَهُ
إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيرُكَ يَهْدِمُ؟
وَمِنْهُ قَوْلُ وَهْبِ الهَمَدَانِيّ:
يَبنِي الرِّجَالَ وَغَيرُهُ يَبْنِي القُرَى
شَتَّانَ بَينَ قُرَىً وَبَينَ رِجَالِ
وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «يَبْنِي الرّجَالَ»، أيْ: يَصْطَنِعُهُمْ، وَيَرْعَاهُمْ، وَيُحْسِنُ اخْتِيَارَهُمْ.



