
شهادتي عن نازا
عبير داغر إسبر
بشجاعة وحكمة رفض مخرج فيلم “نازا” الإسرائيلي يوفال أبراهام تلك القراءة السهلة للمشهد القائم حول غزة. ففي سؤال حول ما إذا كان يعتبر ما تفعله إسرائيل تكرارًا للفعل النازي، رفض أن يُحيل الإبادة التي تجري الآن ومنذ عامين ونيف في غزة وفلسطين بأكملها إلى ذلك التكرار الإكراهي للتاريخ. برأيه، أن ما يجري لا يشابه ما حدث في أوشفيتز، من دون أن يلمّح إلى أن الألم الفلسطيني أو المعاناة الفلسطينية أقل. فهو يعي تمامًا أن تشبيه ما تفعله إسرائيل الآن بالمحرقة النازية لا يفيد السؤال الفلسطيني، بل يعقّده ويشبّك خيوطه ويلقي به في إحالات تدويرية للمضطهد الذي يعيد إنتاج الاضطهاد مضاعفًا، كون ما يجري الآن في فلسطين وغزة تحديدًا هو فعل إبادة واعٍ، يجري في سياق تاريخي وجغرافي وسوسيولوجي مختلف تمامًا، ويجب أن يُعالج بطريقة ووعي مختلفين تمامًا أيضًا.
يحرر هذا المقال وقد حقق فيلم “نازا” الانتباه والحفاوة اللذين يستحقهما، إذ فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان البندقية، كونه شهادة الطرف الأقوى في وجه الأضعف. الفيلم يحكي عن اللاشخصنة، عن التطبيع والبرود في ممارسة أفعال القتل التي تفقد معناها من شدة الاعتياد والتكرار. يقارب الفيلم اللغة كما لو أنها منطق متكامل لخلق السببية، وكأنها الحجة والغاية في آن، إذ حضرت اللغة وبهلواناتها البلاغية كما لو أنها المسكن الأقوى لفكك الكود الأخلاقي الذي نملكه كبشر، الكود الذي ينكسر بمجرد أن نغيّر معادلات الاستخدام ومعايير الأخلاق داخل الناموس الأول، عند حافة الخطأ والصواب، الموت والحياة.
عن بشر يذهبون للحانة بعد انتهاء ورديات الحرب
الفيلم كله قائم على فرضية واحدة: لا تحتاج أفعال كبرى، كالعنف الزائد والقتل غير المبرر وحتى الإبادة، إلى قتلة استثنائيين أو إلى شرط لا بشري، بل إلى معجم يتيح لرجل عادي أن يقتل من غير أن يشعر أنه يقتل. من هذه الفرضية يستمد الفيلم عنوانه، الذي هو ترجمة لكود “نازا” أي “الضرر الجانبي”، حيث تنجح الآلة العسكرية في جعل الموت حدثًا هامشيًا في نظر من يقاتل، حدثًا يجري على أطراف الحرب، كنتيجة مفروغ منها في حسابات الربح والخسارة، بحيث ينصرف الانتباه نحو المركز ويسقط الهامش وموتى الهامش من الحساب الأخلاقي. مع التوغل أكثر في زمن الفيلم يتبرعم المعجم الحربي كنبتة شيطانية، فتؤدي كل تسمية مستحدثة وظيفة تخديرية أكثر دموية وعبثية أيضًا.
الفيلم كله قائم على فرضية واحدة: لا تحتاج أفعال كبرى، كالعنف الزائد والقتل غير المبرر وحتى الإبادة، إلى قتلة استثنائيين أو إلى شرط لا بشري، بل إلى معجم يتيح لرجل عادي أن يقتل من غير أن يشعر أنه يقتل
سنسمع خلال الفيلم عن تسميات لزهرة “لافندر”، وخطة لاستهداف رجل عائد إلى بيته لم يكن لها من كود سوى “أين أبي؟”. يقول أحد الشهود من الجنود إن عمله كان “ممتعًا”، ومن هنا أتى التأثير الآسر للفيلم، إذ لم يجمع المخرجان أدلة على القتل، فتلك موجودة بقسوتها وإحداثياتها، وجاهزة للتداول على المواقع الإخبارية. لكن ما فعله الفيلم أنه تركنا نصغي، لا إلى الكلمات فحسب، بل إلى تلك الطبقة من الصوت المتصالحة مع ما تقوله، إذ تركا الشهود يتكلمون من غير مقاطعة حتى ينكشف المعجم من داخله، حيث تحضر لغة مؤسسة مصقولة ومعممة ومدرَّبة عليها. تفعل هذه اللغة فعل المخدر الموضعي، تشل الإحساس في الموضع المطلوب وتترك لبقية الجسد أن يشتغل بكفاءته المعتادة، فيمضي ضابط من وردية أردى فيها ما يكفي من أبرياء ويعود بعدها إلى حانات تل أبيب من غير أن يتصدع فيه شيء.
السؤال الجمالي للسينما
الفيلم قائم بكامله على أربعة وعشرين شاهدًا، جميعهم جنود وضباط في الجيش الإسرائيلي وفي أجهزة استخباراته، عمل بعضهم في بناء منظومات استهداف الفلسطينيين وبعضهم في تشغيلها وتوقيع أوامر الضربات، ولا يزال بعضهم في الخدمة. الفيلم ثمرة تحقيق استمر قرابة ثلاث سنوات، أدلى الشهود بشهاداتهم كلها بشرط حماية هوياتهم، فعُولجت وجوههم وأصواتهم رقميًا، بينما أُجريت المقابلات بالعبرية. لم يكن الشهود من هامش المجتمع الإسرائيلي بل من أعلى طبقاته، متعلمين من الطبقة الوسطى العليا يخدمون في أكثر الوحدات مكانة وتنافسًا على الالتحاق بها.
صُوِّرت الشهادات كلها ليلًا على أسطح تل أبيب، على بعد ستين كيلومترًا من ركام غزة، وعلى مرمى حجر من مقر “الكرياه”، قلب المؤسسة العسكرية. على سطح مضاء سينمائيًا، يجلس الشاهد كشبح موت يهيمن على أفق المدينة المضاء، فلا يُرى منه سوى حدود جسده، بينما لا يخدم الضوء إلا في ازدياد الغموض غموضًا، إضافة إلى ذلك الرسم على الورق، حيث يخطّ الشهود مخططات المنظومة الرقمية التي اشتغلوا فيها، بحيث يحولون تحت بصرنا شبكة القتل إلى خطوط بسيطة يفهمها أي مشاهد، ناقلين التجريد التقني إلى فكرة وخربشات قلم إلى ما تنفذه يد بكل ما في وعيها من قصدية.
كمزاج فني وتقني، تختار مديرة التصوير ومخرجة العمل راشيل سزور لفيلمها مزاجًا يقارب فعل التلصص، إذ تستخدم كاميرتها لمراقبة شرفات المدينة الميسورة ونوافذها، حيث يجعل هذا الاختيار الجمهور الإسرائيلي نفسه موضوعًا للتأمل: مدينة ليبرالية تفخر بثقافتها وتحضر بمختبراتها الإبداعية والفنية أفلامًا عن ماضٍ ومظلومية تاريخية وجرائم المحرقة. في مشهد يلخص سوريالية وعبث واقع ممض، حمّال أوجه، يبتدئ بالهزء وينتهي بالأسى، يمر أحد الشهود بإعلان عن استعادة سينمائية لأفلام كلود لانزمان، صاحب “شواه” (Shoah)، أي الكارثة بالعبرية، فيغمغم بأنه ما زال يرى في النازيين شرًا محضًا.
يجلس أبراهام أمام شاهده ويطيل الصمت حتى يملأه الآخر بما لم يكن ينوي قوله، والصمت أداة اعتراف لا تملكها الصحافة ولا تنقلها، فيما يعاير الفيلم زمنه كله بالذهب
أما ما يحيلنا إلى السؤال الأصعب، فهو ذاك الانحياز الجمالي تجاه الحقيقة، مع البحث الدائم عن طريقة قول الحقيقة: هل نحن أمام فيلم سينمائي أم أمام تحقيق صحفي مصوّر؟ المواد كلها صحفية المنشأ، ومنتجه صحيفة، وجمهوره الأول جمهور أخبار، ومعلوماته منشورة منذ 2024 في مجلة “+972” وصحيفة “الغارديان”. يظل مع ذلك فيلمًا بالمعنى لا الآني ولا الإسعافي، والدليل في الصمت: إذ يجلس أبراهام أمام شاهده ويطيل الصمت حتى يملأه الآخر بما لم يكن ينوي قوله، والصمت أداة اعتراف لا تملكها الصحافة ولا تنقلها، فيما يعاير الفيلم زمنه كله بالذهب.
مخرجا العمل
يعرف جمهور السينما الوثائقية يوفال أبراهام وراشيل سزور منذ “لا أرض أخرى” (No Other Land, 2024)، الذي أنجزاه مع الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال عن مقاومة أهالي مسافر يطا للتهجير ولعنف المستوطنين، وفاز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل سنة 2025. بدأ ذلك العمل من فريق لا خبرة لأحد من أفراده في صناعة الأفلام الوثائقية، إذ قارب الحكاية أول الأمر من موقع الصحافة والنشاط الميداني، وهي نشأة تفسّر الكثير من الخيارات الفنية في “نازا”.
عُرض “نازا” للمرة الأولى في العاشر من أيلول/سبتمبر 2026، ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية، المنعقدة بين الثاني والثاني عشر من الشهر نفسه، ونال فيها جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
قد لا يوقف هذا الفيلم غارةً واحدة، غير أنه يترك في اللغة أثرًا لا يُمحى، إذ صار لكل من يقول “ضرر جانبي” بعد اليوم أن يعرف أنه ينطق باسم مستعار.
– عبير داغر إسبر – كاتبة وروائية وفنان تشكيلية سورية



