التلفزيون الأردني: قلعة الإعلام الوطني وصوت الدولة الرصين

بقلم : د. محمد المناصير

في زمن التحديات والتحولات الإعلامية المتسارعة، يخرج علينا من يطرح فكرة “خصخصة التلفزيون الأردني” وتحويله إلى القطاع الخاص، وكأنه مجرد “سوبر ماركت” تجاري يُقيم بحجم أرباحه ومبيعاته، أو منشأة تُعرض للبيع عندما تشتد الأزمات! متناسين أن المؤسسات السيادية التي تُبنى عليها ذاكرة الدول لا تُقاس بمنطق العرض والطلب، ولا تُخضع لحسابات الصفقات العابرة.

إن الشاشة الوطنية والأثير الهاشمي لم يكونا يومًا شوائب إدارية تُحسب بالدينار، بل كانا عبر العقود “الجيش الرديف” وسياج الوطن المنيع؛ فعندما تعرضت البلاد للهزات والأزمات المحيطة، كانت الإذاعة والتلفزيون الأردني هما الحصن المتقدم الذي يلتف حوله الأردنيون، والمنبر الذي يصنع الطمأنينة، ويدافع عن رواية الدولة بحرفية وثبات، وبكلمة صادقة أشد أثرًا وأقوى فاعلية من كل محاولات التهميش.
إن الخلل لم يكن يومًا في الرسالة الوطنية ولا في كوادره المخلصة، بل في تكبيل المؤسسة بالإملاءات والتعليمات الفوقية وسلسلة “الألو”، مما حجب إبداع أبنائها. وحل المشكلة لا يكون ببيع المؤسسة، بل بالعودة إلى أصول العمل الإعلامي المحترف:
إنهاء سلطة الإملاءات و”الألو”: منح الشاشة الوطنية الاستقلالية والحرية لتعبر عن نبض الشارع، وتخاطب عقل المواطن بشفافية دون وصاية أو تقييد.
تمكين القيادات الإعلامية الكفؤة: اختيار قيادات تُدرك ثقل الإعلام الوطني ورسالته الإستراتيجية، بعيدًا عن الإدارات التقليدية التي تتعامل مع الشاشة بمنطق الدفاتر الحسابية.
إعادة الاعتبار للجيش الرديف: استثمار الطاقات الفنية والإعلامية الوطنية وتزويدها بالأدوات الحديثة، لتظل المؤسسة قادرة على خوض معارك التضليل والدفاع عن ثوابت الدولة.
الفرق بين الإصلاح والتخلي: الإصلاح الحقيقي يكمن في تقويم المسار وتطوير المحتوى، أما الخصخصة فهي هروب وسهل المخرج، يُسلم الإعلام الوطني للمجهول.
التلفزيون الأردني تاريخ أمة وذاكرة وطن، صانعه الآباء والأجداد بجهدهم وعرقهم؛ وهو ملك للأردنيين جميعًا، يُصلَح ويُطوَّر ليبقى شامخًا، ولا يُعرض في بورصة البيع!.. د. محمد المناصير

مقالات ذات صلة