
لماذا يُفضل الشاب العربي الموتَ مهاجراً على العيش في بلده؟
محمد عايش
حرير- كلما تم ضبط عدد من قواب الموت التي تقل المهاجرين المغامرين بأنفسهم من أجل الوصول إلى أوروبا، تجددت الأسئلة في أذهان الكثير حول السبب الذي يدفع شباباً في عمر الزهور، ليركبوا الموت وليخاطروا بحياتهم في رحلة انتحارية، تهدف إلى الهجرة الأبدية من بلدانهم الأصلية، وعدم العودة إليها.
في بلادنا العربية لا تسمع ولا ترى في وسائل الإعلام سوى جيوش من المطبلين والمنافقين، الذين يحاولون إقناعك بأنهم في حالة عشق وهيام بالحاكم الذي يدير البلاد، والمسؤول السياسي الذي يتحكم بهم، وعندما تشاهد حجم النفاق تشعر وكأن هؤلاء يعيشون في نعيم مقيم في بلدانهم، وأن الفضل وراء هذا النعيم والرخاء والرفاه يعود إلى النظام السياسي، لكن سرعان ما تكتشف بأن ما تراه ليس سوى مشهد تمثيلي سريالي، وأن الحقيقة أن شعوب هذه الدول تهرب منها، وتتوزع بين من ينام على أبواب السفارات الأجنبية، أملاً في الحصول على تأشيرة دخول، أو لنسمها «تأشيرة هروب من بلده»، ومن يركب القوارب مغامراً بحياته من أجل الوصول إلى أية دولة أوروبية تقبل به وتمنحه اللجوء والإقامة.
قبل أيام سجلت بريطانيا حدثاً فريداً في مسارات الهجرة وتهريب البشر، حيث اعتراض خفر السواحل يوم السادس من سبتمبر 2026 قارباً مطاطياً ضخماً يقل نحو 140 مهاجراً غير شرعي، وتم إنقاذهم جميعاً. ورغم أن حمل هذا العدد الضخم في قارب مطاطي يُشكل بحد ذاته عملاً خطراً أشبه بالانتحار، إلا أن المفاجأة لم تكن في العدد، وإنما في المسار، حيث تبين أن القارب انطلق من منطقة «جوبور» في إقليم «نورماندي» شمال غربي فرنسا، متجهاً إلى ساحل مقاطعة هامبشاير في بريطانيا، وهذا مسار أطول بكثير من المسار التقليدي المعتاد للمهاجرين، بل هي أضعاف المسافة التقليدية التي تفصل بين فرنسا وبريطانيا، كما إنها المرة الأولى التي يتم فيها ضبط مهاجرين عبر هذا المسار الطويل.
وبطبيعة الحال فقد تبين للمحققين البريطانيين، أن المهاجرين ومهربيهم سلكوا هذا الطريق بالغ الخطورة، على أمل الإفلات من الإجراءات المشددة التي تم فرضها مؤخراً في القناة الإنكليزية، كما تبين – للأسف- أن أغلب هؤلاء من العرب الذين تمكنوا من الوصول بطريقة أو أخرى إلى أوروبا، ومن ثم أكملوا طريقهم على أمل الوصول إلى أراضي بريطانيا وطلب اللجوء. واقع الحال أن بلادنا العربية أصبحت تلفظُ أبناءها، وبات شبابها يفكرون في طريقة للهروب منها، والعيش في الخارج، وأغلب هؤلاء الشباب اليائسين يغادرون بلدانهم، من دون تحديد الوجهة، حيث لا يطلبون سوى مكان آخر يعيشون فيه بكرامة وحرية، ويجدون فيه لقمة عيش كريمة، وفي سبيل ذلك يركبون البحار ويخاطرون بأرواحهم، ويفقد الكثير منهم حياته فعلاً خلال الطريق.
والأسوأ من هجرة هؤلاء الشباب اليائسين، هو هجرة الكفاءات، فتجد أفضل الأطباء في أرقى مستشفيات بريطانيا وألمانيا وأمريكا من أصول عربية، وكذلك تجد المهندسين والخبراء والعلماء والصيادلة، تجد نخبة النخبة العربية تعيش في المهجر لتترك وراءها أوطانها في حالة متردية ومترهلة، بعد أن أصبحت هذه الدول العربية حاضنة للفاسدين واللصوص والمنتفعين الذين يتعاملون مع البلد على أنه «مشروع تجاري» يحققون منه المكاسب المالية لتغذية حساباتهم في البنوك الأجنبية.
الدول العربية تحتاج إلى مشاريع إنقاذ، ومشاريع إصلاح حقيقية، تؤدي إلى وقف نزيف الشباب ونزيف الكفاءات وهجرة العقول إلى الخارج، فليس معقولاً القبول بأن نكون قد وصلنا إلى مرحلة بات فيها الشاب يُفضل الموت في البحر أو الموت في غابات أوروبا أو الموت على يد العصابات وتجار البشر في أمريكا الجنوبية، يُفضل هذا الموت البشع على أن يعيش في بلده، وليس معقولاً أن تكون بلادنا العربية التي تغرق بالثروات غير قادرة على توفير فرص عمل لهؤلاء الشباب، بينما تستطيع توفير ملايين الدولارات للفاسدين واللصوص والمسؤولين السياسيين الذين ينهبون البلاد والعباد.
ثمة أزمة في العالم العربي، يتوجب الاعتراف بها أولاً، ومن ثم على أصحاب العقول والمسؤولين المخلصين أن يفكروا في كيفية حلها، وكيفية إنهاء هذه البيئة الطاردة، وإلا فإننا أمام مزيد من نزيف الكفاءات وخسارة القوى البشرية، التي من الممكن أن تشارك في بناء هذه الدول وتطويرها، كما أن الاستمرار بهذا الحال سوف يعني خلق مزيد من الفاسدين واللصوص الذين يتكالبون على ثروات بلادنا العربية لتهريبها إلى الخارج، وهو ما يعني في نهاية المطاف أن بلادنا تخسر البشر والثروات معاً، وهذه كارثة كبيرة.



