عندما هبطت إيران من السماء

سامح المحاريق

حرير- بعد هروب الشاه ووصول آية الله الخميني إلى طهران في 1979، بدا العالم وكأنه يكتشف إيران فجأة، وبدأ كثير من الكتابات يحاول رصد ما حدث وكيف وصل الإيرانيون إلى تلك النقطة في منعطف تاريخي ألقى ظلاله على المنطقة كلها. أصبحت طهران محطةً تستقطب الاهتمام العالمي، وكان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو يصل مبكرا وقبل أن تكتمل الثورة ليعتبر ما يجري حدثا غير مسبوق ويتحدث عن الروحانية السياسية، ومن المنطقة العربية كان محمد حسنين هيكل وكتابه «مدافع آيات الله» وفهمي هويدي في «إيران من الداخل».

لم تهبط إيران من السماء في 1979، والجذور البعيدة للمشهد الذي تعيشه منذ ذلك التاريخ لم تبدأ في أي نقطة تحددها معظم الكتب التي أخذت تصف ما يحدث وتحاول توقع ماذا سيحدث، واشتهرت مجموعة من الاستعارات الكثيرة التي استهلكت حتى فقدت أي قدرة على الإبهار، مثل البازار وسلطته وتأثيره، وصبر حائكي السجاد عند الحديث عن المفاوضين الإيرانيين.

تغافل كثيرون ممن تابعوا المشهد عن محاولة فهم ما هي إيران أولا، تلك البلاد التي توالت على حكمها سلالات كثيرة منذ آلاف السنين، وتحركت عاصمتها من مدينة إلى أخرى، من همدان إلى بخارى إلى الري إلى أصفهان إلى تبريز إلى شيراز إلى طهران، واليوم يبحث الإيرانيون عن عاصمة أخرى جنوبا، وكأن الانتقال من عاصمة إلى أخرى يمثل هروبا من مشاكل قديمة بحلمٍ يفضي إلى أزمات جديدة. بقيت إيران في تاريخها تعبيرا عن أزمة القلق من الجغرافيا، في تجربة شبيهة بما يعيشه الروس وعيشهم تحت طائلة التهديد الجغرافي، على الرغم من كل الأراضي الشاسعة التي تشكل بلادهم، كان ذلك قدرا تاريخيا، فالإيرانيون يتمددون في فترات القوة ووجود قيادة تستطيع أن توحدهم، ليتمكنوا من إخضاع أراضٍ جديدة من حولهم، في أواسط آسيا، أو بلاد ما بين النهرين ويصلون مصر عبر الشام في مراحل تاريخية مختلفة، وتذهب جيوشهم إلى اليونان قبل أن يجدوا الإسكندر المقدوني على أبوابهم، ليفتتح فصولًا جديدة من تاريخهم. وفي فترات التراجع يحاولون تدبر خصوصية لوجودهم بين الآخرين، ويعيشون تجاذبات المغول والأتراك والعرب، وصولا إلى الواقع الحديث الذي يأتي ملخصا لتفاعلات تاريخية كثيرة، جعلت إيران بلدا مفخخا بالعرقيات والزوائد التي تثقله، بدلا من أن تشكل رافعةً لوجوده، من المناطق كردية وعربية وبلوشية.

بمقارنة إيران بالمنافسين الإقليميين في مصر وتركيا، يظهر النيل بوصفه العمود الفقري لوجود مصر جغرافيا، وتصبح بقية الأرض حوله غطاءً وجوديا لحياة الشعب المصري وقصته، وتصبح هضبة الأناضول محورا يدور حوله الوجود التركي الذي يتمدد بين مسطحات مائية تجعله بعيدا في معظم مساحته عن الاحتكاك الجغرافي مع الدول الأخرى. لإيران حدود مع سبع دول لكل منها قصةٌ مستقلةٌ وصراعٌ مختلف، فالعراق العربي بتاريخ يمتد إلى أربعة عشر قرنا وآثار واضحة على الدين والمذهب واللغة في إيران، وتركيا المنافسة وتاريخ صراعات الصفويين والعثمانيين، والأذربيجانيين وأزمة هويتهم المتداخلة مع الفرس، وتركمانستان، وأفغانستان وباكستان والتباين المذهبي الواضح المتصاعد مع نزعات التشدد الديني في البلدين. المفارقة الإيرانية اليوم أن مدنا كثيرةً كانت تشكل جزءا من ثقافة البلاد وأعمدة لاعتدادها بهويتها الوطنية، لم تعد تقع ضمن حدود إيران الحديثة، فهراة وبلخ في أفغانستان اليوم، ومرو في تركمانستان، أما سمرقند التي أصبحت في مرحلة تاريخية عاصمة للفضاء الفارسي من خلال التيموريين، فهي تقع مع بخارى في جمهورية أوزباكستان، التي لا تتشارك في الحدود مع إيران الحديثة، أي مخيلة يمكن أن يمتلكها الإيراني المعاصر؟ كيف يمكن أن يبني روايته التاريخية؟

تبدو هذه مسألة معقدة، وتفسر صدمة الثورة الإسلامية في 1979 أنها استطاعت أن تتجاوز الرواية التاريخية القلقة تجاه رواية صلبة، بمعنى أنها استطاعت تسوية واختزال الصراع في الشخصية الإيرانية تجاه (أسلمتها) واعتبار ذلك نواة الوجود الصلبة، التي تستوعب التناقضات في المجتمع، ولكن هذه النواة ستبقى بصورة مستمرة في مواجهة الواقع الجغرافي وتهديداته الكثيرة، لتكون الثورة الإسلامية ودورها في صياغة شخصية جديدة أمام الخيار الإيراني/ الفارسي التقليدي، مواجهة الأسئلة الوجودية بعيدا، فالفكرة لم تكن تصدير الثورة وحدها بوصفها وعدا دينيا ولكن أن يندفع الإيرانيون وراءها بعيدا عن أسئلتهم القلقة، ولكن إلى أين يمكن أن يذهبوا؟ هل كان بإمكانهم التقدم خطوة واحدة تجاه جوارهم السوفييتي شمالا لاستعادة جزء أصيل من الفضاء الفارسي التاريخي في جمهوريات (ستان) الإسلامية؟ أو لتركيا العضو في حلف الناتو، أو باكستان المسلحة حتى أسنانها وأظافرها؟ كانت هذه الخيارات أكثر تكلفة مقابل أن تكون المحطة الأولى لتصدير الثورة الدينية في المنطقة العربية بدولها المستغرقة في صراعاتها الذاتية، حيث يمكن أن تخوض حربا مع العراق وتجد دعما من سوريا، وحيث ستجد من يزور طهران عند الطلب ليصبح ممثلا لطموحاتها. الثورة الإسلامية كانت إعادة إنتاج للسلوك الإيراني نفسه تجاه المعضلة الجيو-سياسية التي تعيشها إيران وعايشت نسخا كثيرةً منها، والمشكلة الإيرانية هي في تغييب مشروع الدولة الحديثة اللائق بإيران، فالشاه كما رآه فوكو، وعلى الرغم من ادعاءاته الكثيرة حول الحداثة والعلمنة، كان متخلفا بقرن كامل عن الإيرانيين وأحلامهم، ولا يمكن تحديث بلد من خلال المنجزات المادية، بينما يستدعي حاكمه أعباء آلاف السنين من التاريخ ليطلق على نفسه لقب الشاهنشاه، ويتعامل بالحس الإمبراطوري القديم، في زمن أصبحت بلاده فيه تبدو وكأنها خضعت لهندسة وتسوية مع الاستعمار الذي منحها أو أخذ منها أقاليم ومناطق في لعبة خطرة مع الدول المجاورة وهوياتها ومشروعاتها. اختطفت الحداثة التي يطمح لها الإيرانيون في مشروع صراع مذهبي يمتد لقرون من الزمن، وفي هذه المرة أصبحت كربلاء التي تقع خارج إيران هي الأخرى، المركز الروحي الغامض الذي عليه أن يملي على الإيراني أين يمضي في مسيرته وإلى غايةٍ ينتهي عندها تاريخه.

إيران الحديثة هي نتيجة تقاطعات كثيرة في التاريخ على الفضاء الفارسي الثقافي والحضاري، ولم تجد في مسيرتها السلطة الروحية الوطنية التي تجعلها بلدا يشبه البلدان الأخرى، وأي حوار يتعامل مع إيران وكأنها بلدٌ منجزٌ بالكامل وبالمنطق نفسه في البلدان الأخرى في محيطه يبدو غير منتج، ولذلك يشعر العالم بأنه لا يفهم إيران، ويكتب كثيرا حولها من غير أن يتساءل كيف وصلت إيران إلى هذه المرحلة مع أن تفكيك السلوك الإقليمي لإيران، الذي يمكن أن يتغير فقط من خلال العصرنة التي تخلصه من أحلام الوجود الفارسي، ومن أعباء المظلومية التاريخية ومن أية حلول أخرى لتخرج إيران من تاريخها، خاصة أن الشاه السابق هو الذي استثمر في استدعاء التاريخ ليجد الثورة عليه هي ثورة داخل التاريخ وليست تجاه المستقبل.

مقالات ذات صلة