استنزاف فلسطين… وبالضرورة العرب أيضا!

عبد الناصر سلامة

حرير- بالتزامن، كان الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يشيّع 112 شهيداً، دفعة واحدة، من ضحايا حرب الإبادة المستمرة هناك، بينما كان ما يسمى مجلس السلام، الذي شكله ويرعاه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يعلن عقب لقاء مع رئيس حكومة الكيان الصهيوني، أن انسحاب قوات الاحتلال لما وراء الخط الأصفر في قطاع غزة، لن يتم إلا بعد اكتمال نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، في خرق فاضح لما تم الاتفاق عليه في شرم الشيخ، دون أن نسمع كلمة واحدة من الدول راعية الاتفاق، أو التي ترفع شعارات السلام والعدالة والحرية، ناهيك من العواصم العربية بشكل عام.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، على أقل تقدير، أي ما بعد اتفاقيات أوسلو، بين سلطة الرئيس الراحل ياسر عرفات والكيان، نفض العرب أيديهم من القضية الفلسطينية، بذرائع وضغوط عديدة، أهمها الجبروت الأمريكي، إلى أن كانت أحداث العقد الأخير، أو توابع ما يعرف بثورات الربيع العربي، فكان التخلي عن القضية، وعن العروبة، وعن التضامن العربي ككل، فيما بدا أن الراحلين من القادة، كانوا آخر من آمنوا بالوحدة العربية، خصوصاً ما يتعلق بالقضية الأٌم، وهي قضية فلسطين، التي لم يكن يتخيل أي عاقل، أنه يمكن التنازل عنها، أو التفريط بها، باعتبارها قضية عادلة من جهة، وقضية الشرف العربي في المقام الأول.

مرت الأيام والسنون، وأصبح العرب في الهم سواء، بل ربما كان الحق الفلسطيني أكثر صخباً وضجيجاً، ففي الوقت الذي ينتفض فيه العالم من أقصاه إلى أقصاه من أجل حقوق الشعب الفلسطيني، لا نجد في العالم صوتاً واحداً يتحدث عن حقوق العرب في نفطهم وثرواتهم بالداخل، أو في أموالهم ومدخراتهم بالخارج، أو ربما حق العرب في مجرد الاستقلال.. الخطر يتهددهم من المحيط إلى الخليج، إلا إنهم لا يستطيعون، على سبيل المثال، إغلاق القواعد العسكرية الأجنبية التي جرّت عليهم الويلات، لا يستطيعون الجهر بأن العدوان الأمريكي على إيران هو سبب أزمات المنطقة، بل لا يستيعون مواجهة الخطر الصهيوني الذي يجاهر بأطماعه في الأراضي العربية. هذه هي الحقيقة، كل ما استطاع العرب فعله، هو الضغط على الشعب، والسلطة، والمقاومة الفلسطينية، لتوقيع اتفاقيات يتقربون بها لواشنطن وتل أبيب معاً، في غياب أي ضامن حقيقي لوقف حرب الإبادة بحق شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية، الضغط لتسليم سلاح المقاومة، الضغط للقبول بفتات العيش مقابل حياة الذل والمهانة، الضغط لتصفية القضية، بمعنى أدق: الضغط للاستسلام، وليس للسلام، ذلك أنهم يوقنون تماماً، أن العدو لا يؤمن بأي سلام، إلا إذا كان سلام القوة، وهو ما تفتقده الساحة الآن.

منذ أن وقّع الفلسطينيون على اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر الماضي، لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، كان واضحاً افتقاد الاتفاق إلى ضامن، يمكنه التصدي للعربدة الصهيونية، التي اعتادت نقض الاتفاقيات والمواثيق، في ظل إدارة أمريكية داعمة للعدوان والإبادة طوال الوقت، من هنا كنا نوقن بأن الاتفاق في مهب الريح، خصوصاً في ظل استمرار الإبادة، التي راح ضحيتها نحو ستة آلاف شخص، منذ ذلك التاريخ، بخلاف المصابين، دون أدنى رادع، عربياً كان أو أجنبياً، في الوقت الذي أصبح العرب يستيقظون فيه على قصف إيراني يطال عواصمهم أحياناً، وعلى قصف مجهول المصدر أحياناً أخرى، ثم على قصف صهيوني غير معلن في أحيان كثيرة. ولم نسمع أياً من العواصم العربية، تعلن الحرب، أو على الأقل تعلن الاستنفار لمواجهة العدوان والدفاع عن أرضها، بعدما استمرأوا مناشدة العالم والمنظمات الدولية التدخل والإدانة والشجب، رغم أن الإنفاق العربي هو الأعلى عالمياً في مجال التسليح، بعد القوى الكبرى، أمريكا، روسيا، الصين، الأمر الذي يسجل للفلسطينيين بأحرف من نور، بعدما دافعوا عن وطنهم على مدى نحو ثمانين عاماً بأقل القليل، عتاداً وعدة ومالاً وأفراداً، ما يبرئ القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من أي اتهامات بالقصور والتقصير.

وهناك من العرب، من اكتشف مبكراً أن الشعب الفلسطيني هو الحُر، وأن الشعوب العربية هي التي تقع تحت نير الاحتلال، انطلاقاً من أن الشعب الفلسطيني هو وحده، من بين الشعوب العربية، الذي يملك قرار الحرب أو السلم، هو الوحيد الذي يستطيع التظاهر والاحتجاج، الوحيد الذي يستطيع التعبير عن رأيه، الوحيد الذي يستطيع التحدث بصوت عالٍ، شعراً ونثراً وخطابة، عكس بقية الشعوب العربية، التي دهستها أقدام وبيادات الجنود والحرس والطغاة، ما جعلها تنشغل بقضاياها المحلية، ومعاناتها اليومية، على حساب القضايا المصيرية للأمة، حتى لو كانت القضية الفلسطينية. أصبحنا أمام عملية نزيف يومية، في الداخل والخارج العربي على حد سواء، في الداخل حيث القصف اليومي للبنية التحتية والمرافق الحيوية، وفي الخارج حيث الإجبار على شراء السلاح، وتغطية نفقات حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فقد طال القصف إضافة إلى كل دول مجلس التعاون الخليجي، كل من مصر واليمن والعراق والأردن ولبنان وسوريا، دون سماع صوت واحد يطلب انعقاد قمة عربية طارئة على مستوى القادة، لبحث كيفية مواجهة الموقف، ما يؤكد أن العرب اعتادوا الاستنزاف، كما القضية الفلسطينية تماماً، لا فرق في ذلك بين الفلسطيني قليل الحيلة، الذي لا يملك المال والسلاح، والآخر متعدد الحيل، فاحش الثراء والتسليح، ما يستوجب إعادة النظر في الوضع الراهن انطلاقاً من عدة ثوابت يمكن إيجازها في خمس نقاط كالتالي:

أولاً: إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية العرب الأولى، وكان التفريط فيها بمثابة انكسار قومي، استتبعه بالضرورة تفريط على كل المستويات والجبهات، ما فتح الباب أمام تحالفات جديدة وعديدة، مع أطراف غير عربية، بعضها يتعلق بالبحر، والآخر بالبر أو الجو، في عملية تشرذم واضحة، لم نكن أبداً في حاجة إليها، إن أحسنا التقدير.

ثانياً: الاعتراف بفشل عمليات التطبيع مع العدو الصهيوني، وفشل بناء علاقات معه على أي مستوى، في ضوء ما تكشفه ممارساته الدموية اليومية، وتصريحاته العنصرية، ما يوجب الانسحاب على الفور، من كل الاتفاقيات الموقعة معه، وإغلاق السفارات والمكاتب التي ترتبت على ذلك، يقيناً أن استمرار وجود ذلك الكيان في حد ذاته بالمنطقة، هو استمرار للتوتر والحروب، وتوجيه ثروات الأمة للردع والمواجهة، بدلاً من الاستقرار والتنمية.

ثالثاً: إعادة الاعتبار للوحدة العربية، باعتبارها الطريق الأمثل لمواجهة الأخطار الخارجية، بتفعيل كل المشروعات المعطلة في هذا الصدد، ومن بينها: إنشاء جيش عربي موحد، إقامة السوق العربية المشتركة، توسيع التجارة البينية، إلغاء الجمارك بين الأقطار المختلفة، تسهيل عبور الحدود، أولوية استقدام العمالة، التعاون في مجال الصناعات المختلفة، المدنية منها والعسكرية، إلى غير ذلك من كثير، أُتخمت به أدراج جامعة الدول العربية.

رابعاً: أولوية التعاون العربي مع دول المنطقة، إيران وتركيا وباكستان، ودول الجوار الافريقي والآسيوي، وغيرها من الدول المنحازة للحقوق العربية، دون غيرها من الدول التي لا تخفي أطماعها في الثروات العربية، أو التي تسعى إلى إعادة الاستعمار، بوسائل وطرق مختلفة، ما يستدعي وضع النقاط على الحروف في هذا الصدد، بتحجيم العلاقات الخارجية، من خلال تحديد الوجهات والعواصم ذات الأولوية.

خامساً: إصلاح البيت العربي من الداخل، سياسياً وحقوقياً واجتماعياً وطبقياً، حتى لا نمنح الآخرين ذرائع الخوض في الشؤون الداخلية من جهة، ومن جهة أخرى إيماناً من القيادة السياسية في كل دولة على حدة، بحق المواطن في الحياة الكريمة، وحقه في المعرفة والتعبير عن الرأي، وفي المساواة والعيش بكرامة، وجميعها بديهيات يجب ألا تقبل المساومة.

إذا كان الأوروبيون في العصور الوسطى، في ظل الإمبراطورية الرومانية، قد أطلقوا مقولتهم الشهيرة: (كل الطرق تؤدي إلى روما) فقد بدا واضحاً عن قناعة مؤكدة، أن كل الطرق في المنطقة العربية تؤدي إلى فلسطين، باعتبارها قبلة العرب، فلا سلام دون فلسطين حرة، ولا استقرار دون فلسطين مستقلة، ولا تنمية في المنطقة دون عودة الأراضي الفلسطينية لأصحابها، وفي مقدمتها القدس الشريف، ما يجعل الصمت على الإبادة الحالية تجاه الشعب الفلسطيني، عارا ما قبله وما بعد، يجعل الاستنزاف العربي من المحيط إلى الخليج، حالة طبيعية، لن تجد من يتعاطف معها أو ينصرها.

مقالات ذات صلة