
الفكاك الأميركي… الامتحان الأصعب لإسرائيل
زياد حلبي
في التاريخ، لا تبدأ التحولات الكبرى من خسارة معركة ما، بل عندما تتغير البيئة التي جعلت الانتصارات ممكنة. والدول لا تنهك لأنها أصبحت ضعيفة، بل لأنها تتجاوز حدود قدرتها على الاحتمال.
للمرة الأولى منذ قيامها، تبدو إسرائيل أمام امتحان كهذا.
فالدولة التي لا يزيد عدد سكانها على عشرة ملايين نسمة لم تعد تكتفي بالدفاع عن حدودها، بل تحاول أن ترسم النظام الأمني والسياسي والاقتصادي لمنطقة يعيش فيها أكثر من خمسمئة مليون إنسان. من غزة إلى لبنان ومن سوريا إلى إيران فالبحر الأحمر ، تسعى إلى فرض وقائع جديدة بالقوة مع استمرار احتلال أراض ورفض أي تسوية سياسية.
هذا التحول منح إسرائيل تفوقاً عسكرياً كبيراً ومكانة استراتجية في المنطقة، لكنه رفع في الوقت نفسه كلفة مشروعها الاستراتيجي. فكلما اتسعت الجغرافيا التي تحاول التحكم بها، ازدادت حاجتها إلى دعم القوة العظمى الوحيدة القادرة على توفير المظلة السياسية والعسكرية والاقتصادية لها.
على مدى عقود قامت العقيدة الإسرائيلية على معادلة واضحة. تفوق عسكري نوعي على كل من يحيطها ،ودعم أميركي ثابت وبيئة دولية تسمح باستخدام هذا التفوق. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجياً.
فالولايات المتحدة ما تزال الحليف الأول لإسرائيل، لكنها لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط كما كانت بعد الحرب الباردة. أولوياتها تتجه أكثر نحو المنافسة مع الصين، بينما أصبحت حروب المنطقة عبئاً سياسياً واقتصادياً متزايداً.
ولهذا لم يعد القرار العسكري الإسرائيلي منفصلاً بالكامل عن القرار الأميركي. في إيران وفي لبنان وفي غزة ظهر بوضوح أن واشنطن لم تعد مجرد داعم، بل أصبحت أيضاً طرفاً يحدد حدود التصعيد ويضبط إيقاع استخدام القوة من قبل اسرائيل التي كرست كونها وكيل بقدر ما هي حليف.
والتحول الأهم لا يحدث في البيت الأبيض فقط، بل داخل المجتمع الأميركي. فالرأي العام، وخصوصاً بين الأجيال الشابة، أصبح أكثر انتقاداً للحرب واسرائيل واستمرار الدعم العسكري غير المشروط لها . كما أن النقاش حول المساعدات العسكرية، وهي الأكبر التي تقدمها الولايات المتحدة لأي دولة، لم يعد من المحرمات السياسية كما كان في السابق بل اصبح علنياً.
وبعد دونالد ترامب قد تجد إسرائيل نفسها أمام احتمالين يحملان التحدي نفسه. إما رئيس ديمقراطي أكثر استعداداً لانهاء الدعم المطلق والدائم لاسرائيل ، أو قيادة جمهورية متأثرة بتيار “اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً” الذي يطالب بتقليص الأعباء الخارجية والتركيز على الداخل الأميركي كما يدعو نائب الرئيس دي ڤانس اكبر منتقدي نتنياهو واسرائيل في الادارة الحالية.
وفي الوقت نفسه يعاد رسم خرائط الاقتصاد في المنطقة. فإلى جانب الرؤية الإسرائيلية للتحول إلى مركز يربط آسيا بأوروبا، تظهر مشاريع عربية وتركية تقوم على ممرات تجارية تمتد عبر سوريا إلى تركيا فأوروبا إذا توافرت الظروف المناسبة وكذلك على حلف دفاع عسكري يقلق إسرائيل. ولم يعد التنافس على الحدود فقط، بل على الطرق والطاقة وسلاسل الإمداد.
في الداخل أيضاً تواجه إسرائيل حرباً طويلة، واستقطاباً سياسياً، وضغوطاً اقتصادية متزايدة. ولهذا تسارع إلى تعزيز صناعاتها العسكرية وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في التسليح والاقتصاد، إدراكاً منها أن استمرار الحروب قد يصبح أكثر صعوبة إذا تبدلت أولويات واشنطن.
وربما تكمن المفارقة في أن الحرب على إيران، التي كان يفترض أن تكرس الهيمنة الإسرائيلية، قد تنتهي إلى نتيجة مختلفة. شرق أوسط لا تهيمن عليه قوة واحدة، بل يتشكل حول ثلاثة أقطاب رئيسية هي تل أبيب وطهران وأنقرة.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل تستطيع أن تربح الحرب التالية.
السؤال هو ما إذا كانت دولة لا يتجاوز عدد سكانها عشرة ملايين نسمة تستطيع أن تدير صراعاً دائماً، وأن تؤثر في مصير أكثر من خمسمئة مليون إنسان، بينما تتغير أولويات حليفها الأكبر، وتتبدل خرائط الاقتصاد، ويزداد الإقليم تعقيداً.
قد لا يكون الفكاك الأميركي قد بدأ بالفعل، لكن للمرة الأولى منذ عام 1948 لم يعد مجرد احتمال نظري. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن التحدي الأكبر أمام إسرائيل لن يكون نقص القوة العسكرية، بل الحفاظ على البيئة الدولية والحضن الاميركي الذي جعل هذه القوة ممكنة طوال العقود الماضية.



