كنه الاستهداف الإيراني للدول العربية!

د. محمد عياش

حرير- مع عودة الحرب الامريكية – الإيرانية الثالثة من هذا العام. في وقت تدخل مرحلة «تكسير العظام»، تعود بشكلها الصفري، والتصعيد المتدرج ينذر بمخاطر شمشونية من ناحية إيران، أما أمريكا والتي تبلغ المسافة الجوية المباشرة بينهما حوالي 11,512 كيلومتر كمسافة فاصلة بين أقرب نقطتين. وعلى حساب الاستراتيجيا، واشنطن في وضع أفضل مع وجود قواعد منتشرة في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن الأذى أو الضرر الذي سيلحق بها أقل بكثير.

لكن؛ وتسليماً مع وقع الضربات القوية والوعد الأمريكي بزيادة وتيرتها بالقياس مع النتائج التي سيترتب عليها التقييم العسكري الأمريكي، تُصر طهران على الرد بتوجيه صواريخها البالستية والمجنحة إلى الدول العربية المجاورة والأردن، الأمر الذي يبعث على الاستهجان، وكأن طهران لم تقرأ أو تسمع عن الغزو العراقي للكويت وإنشاء تحالف دولي لطرده! ذلك أن الذهنية الغربية ومنافسة واشنطن بالدرجة الأولى لمثل هذه المناطق الغنية بمصادر الطاقة، تمثل مساساً بالهيبة الأمريكية، وبالتالي فإن أزمة مضيق هرمز تساوي بوزنها الجيو- سياسي غزو الكويت.

السؤال الكبير في ذهن الكثيرين ممن يعملون في السياسة وأعماقها، لماذا تُصر طهران على توجيه ضربات عسكرية إلى الدول العربية بحجة وجود قواعد عسكرية على أراضيها في الوقت الذي يجب أن تعمل الدبلوماسية الإيرانية على كسبها والاستفادة من علاقاتها مع واشنطن؟

الجواب يكمن في جذور العقلية أو في الأسس التي بنيت عليها الجمهورية الإيرانية بعد الإطاحة بحكم الشاه 1979، وتبنيها مفاهيم مغالطة ومخالفة في بعدها الثقافي والديني وتباينها مع سياسات المنطقة، إذ تعتبر إيران الدول العربية عدوها الأول بالرغم من الشعارات كـ «الشيطان الأكبر والأصغر» بالإشارة إلى الولايات المتحدة و«إسرائيل»، لذلك تحاول تقديم نفسها بالمدافع عن المصالح الغربية وتذكيرهم بتقاطع الأهداف الاستراتيجية بالنظر إلى المرتكزات الأمريكية وتصنيفها للأعداء.. في هذه الحالة تتقدم إيران كدولة يمكن احتوائها والاستفادة منها لجهة أن الدول العربية وفق منظور صهيو- أمريكي العدو الثابت للطرفين.

الأنظمة التي لا تقدم أو تقوم على التغيير والتنوع حسب مقتضيات الحاجة الراهنة للتطورات، تبقى أنظمة فاشلة تغتسل في الماء الراكد نفسه

من هنا تعتقد طهران وظنها أن واشنطن ومعها «إسرائيل» ربما تستفيقان وتتذكران التخادم الوظيفي، وتنهيا الحرب بالإصرار على توجيه المزيد من الهجمات وتوسيعها، لكن على ما يبدو أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لم يعد مستعداً لهذه العلاقة المريبة، وبالتالي هناك ما يسمى الخروج الإيراني عن النص وزيادة الأطماع مما شكل تهديداً حقيقياً للرؤية الصهيونية في المنطقة.

قاسم سليماني الذي قتلته واشنطن بالقرب من مطار بغداد، وصل يوماً إلى أقرب نقطة مع فلسطين المحتلة بوابة فاطمة، هل هذا عائد إلى ضعف الاستخبارات الإسرائيلية، أم إنها مساحة مسموحة وفق نظريات متفق عليها بين الجانبين، وأمر اغتياله جاء بعد زيارته إلى موسكو وهنا وقع بالمحظور.

الإعلان الأمريكي عن عدد القتلى والجرحى في صفوف الجيش منذ بداية الحرب، هو إعلان يفُهم في سياق التصميم على المضي قدما في هذه الحرب، كطلب من الحزبين الكبيرين والمؤسسات الكبرى في الولايات المتحدة بالدعم اللامتناهي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى، وثمة مؤشرات ودلائل تشير إلى التجهيزات العسكرية الأمريكية الضخمة، فبدلاً من استهداف الدول العربية بحجة تواجد القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، هناك في مطارات «إسرائيل» تهبط أعداد كبيرة من طائرات التزود بالوقود وشحن الأسلحة والقذائف الثقيلة، وهي هدف استراتيجي مؤلم للولايات المتحدة و«إسرائيل»، أيضاً البوارج والقطع البحرية متواجدة قبالة السواحل العمانية – الإماراتية والمحيط الهندي، بالإضافة إلى قاعدة «دييغو غارسيا» التي تشهد تحركات مماثلة… لا أعتقد أن تهديدات الجنرالات الإيرانيين الحاليين بالرغم من عدم واقعيتها تتصل بالثوابت التي أنشئت عليها فيما يخص جذور التحالف العضوي الأمريكي – الإسرائيلي من جهة والإيراني من جهة أخرى، إذ بات من المسلم به أن شيئاً ما قد نسف هذا التحالف، بينما إيران غير مقتنعة، وعليها فقط استخدام ورقة العدو المشترك (الدول العربية) كالغريق الذي يتمسك بقشة.

وفق هذه الرؤية الضريرة تناور طهران، بينما عجلة المتغيرات الدولية وأقصد الاقتصادية الدافع الأول للسياسة وبناء الشراكات الدولية بعيداً عن الأيديولوجية، تضع طهران في خانة «اليك»، لأنها عاجزة كل العجز بتقديم رؤية اقتصادية قائمة على احترام سيادة الدول وحسن الجوار، إذ عليها القيام بتحقيق الأهداف الثورية التي قامت وتأسست على مفاهيمها، وهي متناقضة كل التناقض والمنطقة العربية، لأن الخلافات والاختلافات طيلة الـ47 عاماً زادت عن حدها، بالتالي فإن التركيز الأمريكي على تقييم النظام الإيراني فيه دلالة على رفضه بالمطلق لذلك وجب تغييره واقتلاعه من جذوره..

الأنظمة التي لا تقدم أو تقوم على التغيير والتنوع حسب مقتضيات الحاجة الراهنة للتطورات، تبقى أنظمة فاشلة تغتسل في الماء نفسه الراكد.

مقالات ذات صلة