هل اقتربت الدولة الصهيونية من مشروع “إسرائيل الكبرى”؟ “قراءة استراتيجية في موازين القوة الإقليمية ودور الأردن وسوريا والعراق وإيران ومصر ودول الخليج”…

بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله

منذ نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن مشروع إقامة دولة يهودية مجرد فكرة سياسية مرتبطة بالهجرة والاستيطان، بل حمل في داخله أبعادًا أيديولوجية وجيوسياسية متشابكة. ومن بين أكثر المفاهيم التي أثارت الجدل مفهوم “إسرائيل الكبرى”، وهو مفهوم ارتبط تاريخيًا لدى بعض التيارات الصهيونية الدينية والقومية بفكرة توسيع حدود الدولة اليهودية لتشمل مناطق أوسع من فلسطين التاريخية، وربطها أحيانًا بأجزاء من بلاد الشام ومناطق مجاورة.

لكن السؤال الاستراتيجي الحقيقي اليوم ليس: هل توجد أفكار توسعية لدى بعض التيارات الإسرائيلية؟ فهذا أمر موجود في الخطاب السياسي لبعض القوى. بل السؤال الأكثر تعقيدًا هو: هل تملك إسرائيل القدرة الواقعية على تحويل هذه الأفكار إلى مشروع جغرافي وسياسي فعلي؟ وهل اقتربت بالفعل من تحقيقه؟
الإجابة تحتاج إلى قراءة هادئة بعيدًا عن التهويل أو التبسيط. فالدول لا تتحرك فقط بالأيديولوجيا، وإنما تتحرك وفق موازين القوة، والبيئة الدولية، والاقتصاد، والقدرة العسكرية، وردود فعل الإقليم. وقد حققت إسرائيل خلال العقود الماضية مكاسب استراتيجية مهمة، لكنها في الوقت ذاته تواجه حدودًا كبيرة أمام أي مشروع توسعي شامل.
إن مفهوم “إسرائيل الكبرى” اصطدم تاريخيًا بحقيقة أساسية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط: المنطقة ليست فراغًا يمكن السيطرة عليه بسهولة، بل هي مساحة تضم دولًا ذات عمق سكاني وتاريخي وحضاري وعسكري، مثل مصر والعراق وسوريا والأردن وإيران، إضافة إلى منظومة دول الخليج العربي. ولذلك فإن أي مشروع توسعي واسع لا يُقاس فقط بقوة الجيش الإسرائيلي، بل بقدرة الدولة على إدارة بيئة إقليمية معقدة ومتعددة الأطراف.
تاريخيًا، استطاعت إسرائيل بعد عام 1948 تثبيت وجودها كدولة، ثم توسعت أراضيها بعد حرب عام 1967 باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان. وقد شكلت تلك الحرب لحظة مفصلية في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، إذ سيطرت إسرائيل على مناطق ذات أهمية جغرافية كبرى. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على الضم أو الاستمرار السياسي.
فمصر استعادت سيناء عبر مسار سياسي انتهى باتفاقية السلام عام 1979، وأصبح ذلك مثالًا على أن التحولات الدولية والسياسية يمكن أن تعيد رسم نتائج الحروب. كما أن الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 أظهر أن السيطرة المباشرة على مناطق ذات كثافة سكانية عالية تحمل أعباء أمنية وسياسية كبيرة.
في المقابل، عملت إسرائيل خلال العقود الماضية على بناء مفهوم آخر للأمن، يقوم على التفوق العسكري، والردع، والتكنولوجيا، والتحالف مع الولايات المتحدة، وتطوير منظومات دفاعية متقدمة، وإنشاء شبكة علاقات إقليمية ودولية. وبالتالي فإن مشروعها الواقعي لم يكن دائمًا التوسع الجغرافي المباشر، بل بناء دولة ذات تفوق نوعي تجعلها القوة الأكثر تأثيرًا في محيطها.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين “إسرائيل الكبرى” كفكرة أيديولوجية لدى بعض التيارات، وبين السياسة الرسمية التي غالبًا ما تتحرك وفق حسابات عملية. فالدولة الحديثة قد تستخدم الخطاب الأيديولوجي لتعزيز الهوية الداخلية، لكنها في النهاية تواجه حسابات القوة والمصالح.
في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد التحولات الكبرى في المنطقة، عاد الحديث عن مستقبل المشروع الإسرائيلي بقوة. فالحروب في المنطقة، وضعف بعض الدول العربية، والانقسامات الداخلية في عدد من المجتمعات، والتغيرات في موازين القوى، كلها عوامل دفعت البعض إلى الاعتقاد بأن إسرائيل أصبحت أقرب إلى تحقيق نفوذ إقليمي واسع.
لكن التحليل الاستراتيجي يكشف صورة أكثر تعقيدًا. فصحيح أن إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا كبيرًا مقارنة بمعظم جيرانها، وتمتلك دعمًا غربيًا واسعًا، ولديها اقتصاد متقدم في مجالات التكنولوجيا والدفاع، إلا أن هذا التفوق لا يعني القدرة على فرض نظام إقليمي دائم يخدم مشروعًا توسعيًا كبيرًا.
السبب الأول هو عامل الجغرافيا. فإسرائيل دولة صغيرة المساحة والسكان مقارنة بمحيطها. أمنها يعتمد بدرجة كبيرة على منع تشكل تهديدات حولها، وليس على السيطرة على مساحات شاسعة. فالتوسع قد يتحول من مصدر قوة إلى عبء أمني، كما أثبتت تجارب تاريخية عديدة.
السبب الثاني هو العامل السكاني. فالسيطرة على مناطق واسعة تضم ملايين السكان تخلق تحديات سياسية وقانونية وديموغرافية معقدة. لذلك فإن أي مشروع توسعي يصطدم بسؤال أساسي: كيف يمكن إدارة هذه المناطق؟ وما طبيعة النظام السياسي الذي سيحكمها؟
أما العامل الثالث فهو موقف القوى الإقليمية. فحتى لو كانت الدول العربية تعاني من اختلافات سياسية، فإن الجغرافيا تفرض عليها مصالح مشتركة مرتبطة بمنع اختلال كبير في توازن المنطقة.
ويبرز هنا دور الأردن باعتباره من أكثر الدول حساسية في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية. فالأردن ليس مجرد دولة مجاورة، بل يمثل منطقة تماس جغرافي وأمني مباشر مع الضفة الغربية والقدس. وتدرك إسرائيل أن استقرار الأردن جزء أساسي من أمنها، كما يدرك الأردن أن أي تغيرات جذرية في القضية الفلسطينية ستكون لها انعكاسات مباشرة على أمنه الوطني.
لذلك فإن الأردن يمثل عامل توازن مهم في الإقليم. سياسته تاريخيًا قامت على الحفاظ على الدولة الوطنية، ودعم حل سياسي للقضية الفلسطينية، ومنع أي سيناريوهات تهدد تركيبته أو استقراره. ومن منظور استراتيجي، فإن بقاء الأردن قويًا ومستقرًا يشكل أحد الحواجز أمام أي تصورات توسعية غير واقعية.
أما سوريا، فقد كانت تاريخيًا من الدول المركزية في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي بسبب موقعها الجغرافي، وقربها من الجولان، وارتباطها بلبنان وفلسطين. لكن سنوات الحرب السورية أضعفت الدولة السورية وأدخلت قوى إقليمية ودولية متعددة إلى الساحة السورية. وهذا خلق وضعًا معقدًا استفادت منه إسرائيل أمنيًا من خلال توسيع قدرتها على التحرك ضد تهديدات تعتبرها موجهة إليها.
لكن ضعف سوريا لا يعني نهاية دورها الاستراتيجي. فسوريا تقع في قلب المشرق، وأي إعادة بناء للدولة السورية سيكون لها تأثير كبير على مستقبل التوازن الإقليمي.
أما العراق، فهو يمثل العمق الشرقي للعالم العربي، وله أهمية تاريخية وجغرافية كبيرة. العراق يمتلك موقعًا استراتيجيًا وثروات بشرية وطبيعية، لكنه تعرض خلال العقود الماضية لحروب وصراعات أضعفت دوره الإقليمي. ومع ذلك، فإن عودة العراق كدولة قوية ومستقرة ستغير معادلات كثيرة في المنطقة، لأن العراق كان تاريخيًا أحد مراكز الثقل في النظام العربي.
وتبقى إيران أحد أهم اللاعبين في المعادلة الإقليمية. فإيران لا تنظر إلى نفسها كدولة عادية في المنطقة، بل كقوة إقليمية لها مشروع نفوذ يمتد عبر مناطق متعددة. وهذا جعلها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، التي ترى في النفوذ الإيراني تهديدًا استراتيجيًا.
المواجهة بين إسرائيل وإيران ليست فقط عسكرية، بل هي صراع على شكل النظام الإقليمي القادم: هل يكون نظامًا تهيمن فيه إسرائيل بدعم أمريكي؟ أم نظامًا متعدد القوى تتنافس فيه إيران وتركيا والدول العربية والقوى الدولية؟
أما مصر، فإن موقعها في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي يظل من أكثر المواقع تأثيرًا، ليس فقط لأنها أكبر دولة عربية من حيث الثقل السكاني والعسكري، بل لأنها تملك موقعًا جغرافيًا يتحكم في نقطة اتصال أساسية بين آسيا وأفريقيا، وتشرف على قناة السويس والبحر الأحمر، إضافة إلى حدودها المباشرة مع فلسطين.
منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، انتقلت العلاقة بين الطرفين من حالة الحرب المباشرة إلى حالة إدارة الصراع. ولم تصبح مصر دولة حليفة لإسرائيل بالمعنى الاستراتيجي الكامل، بل بقيت دولة تحافظ على مصالحها الوطنية وأمنها القومي. وقد ركزت السياسة المصرية على منع أي تطورات تهدد أمنها، خصوصًا ما يتعلق بقطاع غزة والحدود الشرقية.
وتكمن أهمية مصر بالنسبة لأي مشروع إسرائيلي توسعي في أن مصر تمثل قوة إقليمية قادرة على تغيير موازين المنطقة. فوجود دولة مصرية مستقرة وقوية يشكل عامل توازن أساسي، لأن أي مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط لا يمكنه تجاهل الدور المصري.
كما أن القاهرة تاريخيًا دعمت فكرة التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، وترى أن استمرار الصراع دون حل عادل يمثل مصدر عدم استقرار دائم للمنطقة. ومن منظور استراتيجي، فإن مصر لا تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا خارجيًا فقط، بل باعتبارها مرتبطة مباشرة بأمنها القومي.
أما دول الخليج العربي، فقد شهد موقفها تحولات كبيرة خلال العقود الأخيرة. فبعد أن كان الصراع العربي الإسرائيلي هو الإطار الرئيسي للعلاقة، بدأت بعض دول الخليج تنظر إلى التحديات الإقليمية من زاوية مختلفة، خصوصًا مع صعود النفوذ الإيراني، والتغيرات الاقتصادية، والحاجة إلى شراكات دولية في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد.
وقد أدى ذلك إلى ظهور علاقات جديدة بين بعض دول الخليج وإسرائيل، إلا أن هذه العلاقات لا تعني بالضرورة تبني مشروع توسعي إسرائيلي. فدول الخليج لها حساباتها الخاصة، وهي تهتم أساسًا بأمنها الوطني، واستقرار أنظمتها، وحماية مصالحها الاقتصادية.
لكن في الوقت نفسه، يبقى الملف الفلسطيني عاملًا مؤثرًا في السياسة الخليجية، لأن أي انفجار كبير في المنطقة قد ينعكس على الاستقرار الإقليمي. لذلك فإن دول الخليج تتحرك بين اعتبارات الأمن والمصالح من جهة، والحسابات السياسية والشعبية من جهة أخرى.
أما الولايات المتحدة، فهي تمثل العامل الدولي الأكثر تأثيرًا في قوة إسرائيل منذ تأسيسها. فقد شكل الدعم الأمريكي السياسي والعسكري والاقتصادي أحد أهم عناصر التفوق الإسرائيلي. فالولايات المتحدة لعبت دورًا أساسيًا في ضمان التفوق النوعي الإسرائيلي، وفي توفير مظلة دبلوماسية في المؤسسات الدولية.
لكن السياسة الأمريكية ليست ثابتة بصورة مطلقة، فهي تتغير وفق الإدارات والظروف الدولية. كما أن واشنطن تواجه اليوم بيئة عالمية أكثر تعقيدًا بسبب صعود الصين، وعودة التنافس الدولي، وتراجع القدرة الأمريكية على إدارة كل ملفات العالم كما كانت تفعل سابقًا.
ولهذا فإن إسرائيل، رغم تحالفها القوي مع الولايات المتحدة، تدرك أن الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي لا يكفي وحده لبناء مشروع إقليمي دائم، لأن أي نظام إقليمي يحتاج إلى قبول أو توازن مع القوى المحيطة به.
الخلاصة النهائية: هل “إسرائيل الكبرى” مشروع قابل للتحقق أم فكرة تصطدم بالواقع الاستراتيجي؟

عند النظر إلى المسألة من زاوية استراتيجية بحتة، يمكن القول إن فكرة “إسرائيل الكبرى” تواجه عقبات ضخمة تجعل تحقيقها بصورتها الأيديولوجية القصوى أمرًا بالغ الصعوبة.
صحيح أن إسرائيل استطاعت تحقيق إنجازات مهمة: بناء قوة عسكرية متقدمة، امتلاك تفوق تكنولوجي، إقامة علاقات دولية واسعة، والسيطرة على مناطق استراتيجية في مراحل مختلفة من تاريخها. كما أنها استفادت من ضعف بعض الدول العربية والانقسامات الإقليمية.
لكن القوة العسكرية وحدها لا تصنع إمبراطورية أو مشروعًا توسعيًا ناجحًا في القرن الحادي والعشرين. فالعالم اليوم تحكمه عوامل متعددة: الشرعية الدولية، الاقتصاد، الديموغرافيا، التكنولوجيا، الرأي العام، وقدرة الدولة على إدارة المجتمعات التي تسيطر عليها.
ومن هنا فإن المشروع الإسرائيلي الواقعي يبدو أقرب إلى محاولة الحفاظ على التفوق والردع، وبناء نفوذ إقليمي واسع، أكثر من كونه مشروعًا للسيطرة الجغرافية الكاملة على مناطق واسعة من المشرق.
فأي محاولة توسع كبرى ستصطدم بعدة حقائق:

أولًا: وجود دول ذات عمق تاريخي وجغرافي مثل مصر والأردن والعراق وسوريا.
ثانيًا: العامل السكاني الفلسطيني والعربي الذي يجعل السيطرة الدائمة على مساحات واسعة تحديًا سياسيًا وأمنيًا.
ثالثًا: وجود قوى إقليمية منافسة مثل إيران وتركيا، إضافة إلى تغيرات النظام الدولي.
رابعًا: أن الشرق الأوسط ليس منطقة خالية من القوى، بل هو منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية كبرى.
وبالتالي فإن الإجابة الاستراتيجية هي: إسرائيل لم تقترب من تحقيق “إسرائيل الكبرى” بالمفهوم الجغرافي الشامل، لكنها نجحت إلى حد كبير في بناء نفوذ إقليمي وتفوق نوعي جعلها لاعبًا مركزيًا في المنطقة.
أما مستقبل المنطقة فلن تحدده قوة دولة واحدة فقط، بل قدرة الدول العربية على إعادة بناء قوتها، وتعزيز مؤسساتها، وإنهاء الانقسامات، وامتلاك رؤية استراتيجية طويلة المدى.
فالصراع الحقيقي في الشرق الأوسط ليس فقط على الأرض، بل على شكل النظام الإقليمي القادم: هل سيكون نظامًا تهيمن فيه قوة واحدة؟ أم نظامًا متعدد الأقطاب تتوازن فيه القوى المختلفة؟
وهنا تكمن النقطة الأساسية: إن المشاريع الكبرى لا تنجح فقط بقوة السلاح، بل تحتاج إلى بيئة تاريخية وسياسية تسمح لها بالبقاء. والواقع الاستراتيجي للمنطقة حتى الآن يشير إلى أن مشروع “إسرائيل الكبرى” يظل أقرب إلى فكرة أيديولوجية لدى بعض التيارات، منه إلى مشروع قابل للتحقق الكامل على أرض الواقع….

●بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.
المفرق – الأردن.
١ يوليو ٢٠٢٦م.

مقالات ذات صلة