لبنان وأسئلة ما بعد الهدنة

توفيق شومان

حرير- ما يجمع بين اللبنانيين بعد سريان هدنة الخميس ـ الجمعة في الجبهة اللبنانية قلق وترقّب وانتظار وحذر، وما عدا ذلك فينطبق عليهم القول المأثور: اضطربت خيل العرب. وفي طريق الاضطراب والبلبلة تنتظرهم أسئلة مصيرية وثيقة الصلة باختبار “الأيام العشرة”، مدّة الهدنة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمفترض أن تؤسّس لمرحلة تُخرج لبنان من محرقة مستدامة أضرمها الاحتلال الإسرائيلي سنتَين ونصف السنة. وإذ يُقال “مرحلة تأسيس”، فالغاية والدلالة، حتى لا يذهب التقدير إلى استنتاجات مسبقة، ولأنّها أيضاً ترافق هشاشة الهدنة المعمول بها التي قد تسقط على حين غرّة وفي لحظة مفاجئة تختلق فيها الحكومة الإسرائيلية ألف سبب وسبب لتبرير اعتداءاتها على لبنان، ما ينذر بعودة الحرب.

من الأسئلة المنتصبة على قارعة الانتظار اللبناني كيف ستتصرّف القوى الفاعلة في السياسة المحلّية، من الدولة إلى ثنائي حركة أمل ـ حزب الله، إلى “الأحزاب السيادية” التي تحث السلطات الرسمية اللبنانية على أن تضرب ضربتها وتأخذ القرار “المأمول” بتفكيك سلاح المقاومة اللبنانية، والذهاب إلى معاهدة سلام مع تل أبيب تحاكي اتفاق 17 مايو/ أيار (1983) مع تعديلات فيه تلائم طبيعة المرحلة وظروفها ومستجدّاتها.

وإلى جانب هذا التفصيل الذي يلاحظ انقسام القوى السياسية في لبنان، تبرز التفاصيل الإسرائيلية المصاحبة للهدنة الميدانية، وفي صلب هذه التفاصيل عدم الانسحاب الإسرائيلي من جنوبي نهر الليطاني، وتشديد نتنياهو على الربط الأمني بين جنوبي النهر اللبناني وجبل الشيخ ومرتفعات الجولان السورية المحتلّة، بهدف جعل هذا الإصبع الجغرافي وحدةً أمنيةً متواصلةً عنوانها المنطقة العازلة، ما يُبقي الجيش الإسرائيلي في أراضٍ لبنانية محتلّة. والسؤال الذي يطغى بوطأته إزاء هذه الحالة، كيف سيكون موقف “الأحزاب السيادية”، وكذلك الدولة اللبنانية، إذا عقد فريق لبناني العزم على اعتبار الهدنة وامتداداتها الزمنية المجرّدة من تحديد وتوقيت فعلاً ناقصاً لا يمتّ إلى وقف الأعمال القتالية بصلة، ولا يتّصل بها آصر ولا رابط؟

والأمر الخطير الكامن في المنطقة العازلة اللبنانية، واتصالها بجبل الشيخ، لا يقتصر على البُعدَين الجغرافي والأمني وجعلهما واقعاً يسمّيه الإسرائيليون بـ”الدفاع المتقدّم”، ففي بيروت ثمّة من يحذّر من “البُعد الثالث” ويصفه بالشرّ المستطير الهادف إلى الربط بين بلدات جبل الشيخ، ذات المكوّن الاجتماعي والطائفي المعيّن، وبلدات من المكوّن نفسه في القسم اللبناني من المنطقة العازلة. وحيال هذا، ما عسى الدولة اللبنانية فاعلة، وما تداعيات هذا التحدّي الجسيم؟ ما يعقب هذا السؤال متعلّق بعودة أهل الجنوب اللبناني إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم، وفي طيّات هذا السؤال أنّ الجنوبيين، وبعيد إعلان هدنة الخميس ـ الجمعة، تقاطروا جماعات ووحداناً، وتنادوا من كلّ فجّ ومكان نزوح، للرجوع إلى ديارهم غير مبالين بالدعوات الرسمية والحزبية الداعية إلى تأجيل قرع أجراس العودة، ومع هذا الإصرار الأهلي يُطلّ القرار الإسرائيلي المانع لحقّ العودة، وما يحتمل هذا القرار من مواجهة شعبية بين العائدين والمحتلّين، وما يمكن أن ينتج من مشاهد يصعب تصوّرها، ولكن يمكن تقدير معادلة ما بعدها، ومختصرها إطلاق النار مقابل إطلاق النار.

وتواكب هذه المعادلة معادلةٌ رفيقة ومثيلة، موجزها يستمدّ ركيزته من المواقف الإسرائيلية القائلة بأنّ جيش الاحتلال لن يتوانى عن استهداف أيّ حركة مندرجة في دائرة الشبهة والظنّ المتّصلَين بأفعال المقاومة، وهذا يتيح للجيش الإسرائيلي حرّية العمل واستخدام النار، وكما يقال في الأعراف الموروثة إنّ الدمَ يجرّ الدمَ، فالنار سوف تجرّ النار.

وبعيداً من أسئلة الهدنة الهشّة، تحلّ الرغبة التي تدور في ذهن الرئيس ترامب حول عقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وفيما لم يعد من مجال للنقاش حيال إمكانية انعقاد اللقاء بعد رفض الرئاسة الأولى له، إلا أنّ ما يثير حفيظة فئات لبنانية واسعة، مستويات واتجاهات الشخصيات اللبنانية التي ستشارك في جولات التفاوض مع إسرائيل، ومردّ هذا عائد إلى التدرّج الرسمي اللبناني في العملية التفاوضية. فبعد الموافقة (3/12/2025) على مشاركة السفير السابق سيمون كرم بوصفه شخصيةً مدنيةً في لجنة الميكانيزم المعنية بالإشراف على وقف النار، ثم لقاء واشنطن التحضيري (14/4/2026) بين السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، فالسؤال الناتج من ذلك: من الشخصية اللبنانية التي قد تلتقي إسرائيليين بعد انكسار حُرمة المقاطعة؟ وهل يدخل في دائرة التساؤل وزراء أم نواب أم رجال أعمال أم رجال الظلّ؟ وعلاوة على ذلك: ممَّن سيتألّف الوفد اللبناني المفاوض، وكيف يُختار أعضاؤه، وعلامَ سيفاوض؟ إنّ ذلك كلّه يدخل في عالم مجهول وغير معلوم.

في النقاش حول المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، يتوقّف المتحاورون عند نصوص الدستور اللبناني، وكان الرئيس الراحل فؤاد شهاب يسمّيه “الكتاب”، فيلتقون عند ضرورة التفريق بين مسار التفاوض ونتيجة التفاوض، وعلى أساس هذا التفريق، يقولون إنّ من صلاحيات رئيس الجمهورية، كما تنصّ المادة 52 من الدستور، “عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمةً إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حين تمكّنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة”.

وخلاصة القول، إنّه رغم انطلاق عجلة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، فذلك لا يعني أنّ الطريق سالكةٌ أمام الفريق المفاوض، فثمّة سدّ أوّل في الطريق متمثّل بالحكومة، ولا ينصّ الدستور على موافقة الأغلبية، وإنّما على موافقة مجلس الوزراء، أي بالإجماع. وبعد هذا السدّ، يأتي حاجز الصدّ في مجلس النواب، وعلى فراش هذا السدّ وبساط ذاك الصدّ تنام وتستيقظ الأسئلة اللبنانية كلّها.

مقالات ذات صلة