مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

نبيل عمرو

حرير- ما يقارب سدس الكرة الأرضية، كان مساحة الاتحاد السوفياتي، ولولا حاجة القياصرة للمال؛ حيث باعوا ألاسكا للأميركيين، لكانت الإمبراطورية السوفياتية زادت بما يساوي مساحة إيران، ولكانت الإمبراطورية السوفياتية قبل انهيارها الرسمي بيومٍ واحد، غطَّت أراضيها وما عليها من بحارٍ وأنهارٍ وبشر، آسيا وأوروبا وأميركا.

وإذا وضعنا في الحساب فروع الحزب الشيوعي في أميركا اللاتينية (كوبا والعديد من دول أفريقيا)، مضافة إلى ذلك كله العلاقات الأقل قليلاً من التحالفات في الشرق الأوسط، كمصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن الجنوبي، وازدهار الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية (فرنسا وإيطاليا)، إلى جانب ما كانت تسمَّى دول المنظومة الاشتراكية الواقعة في شرق أوروبا، فكلُّ ذلك يعني أنها كانت الإمبراطورية الأكبر في التاريخ.

في موسكو كان الرفاق يحبُّون التباهي بدولتهم الشيوعية العملاقة، ويستخدمون في ذلك مقولة إنَّ الاتحاد السوفياتي العظيم فيه أكبر مخزونٍ نووي في العالم، وأكبر جيش، وأكبر فندق، وأكبر شركة طيران. كلمة «أكبر» كانت المفضَّلة لدى الرفاق في تقديم إمبراطوريتهم العظمى، هذا إذا كنت تلتقي بالرسميين من الشيوعيين في الحزب والدولة، أما إذا قُيِّض لك أن تلتقي ببعض المؤلَّفة قلوبهم من الروس، فلا بد من أن يهمسوا في أذنك، بأنَّ أكثر كلمة يكرهونها هي «العظمى»، فهذه الكلمة ابتلعت روسيا، بكل مقوَّماتها الحضارية والثقافية والكيانية، وابتلعت الأرثوذوكسية وكنائسها ومعالمها التي كانت قبل ولادة «العظمى» تغطِّي روسيا التي تبلغ مساحةً وعددَ سكَّان، ما يزيد على نصف مساحة وسكان «العظمى».

قال لي أحدهم: «من أجل (العظمى) تعامل ستالين الجورجي مع الروس، كمجاميع بشرية يجري دمجها في مجتمعاتٍ أخرى، حتى صارت روسيا التاريخية مفرَّغة من أهلها، أما الشعوب والأعراق الأخرى، فقد حوَّلت الدولة إلى خليطٍ غير متجانسٍ كان الروس فيه غرباء في اللغة والتقاليد والدين والثقافة».

باختصار: «إن كلمة (عظمى) أجهزت على روسيا وأذابتها كما يذاب الملح في الماء».

بدأت «العظمى» بالتداعي، وإلى جانب الاتساع غير المسيطر عليه في التحالفات التي كانت هشة في أساسها، ظهرت أعراض الشيخوخة المبكرة بداية في مركز «العظمى»؛ حيث تمرَّد القلب الأوروبي الروسي والأوكراني، وتلته انهياراتٌ فيما تبقى من كياناتٍ كانت استبدت بها الانهيارات الاقتصادية، بفضل الإدارة الشيوعية شديدة المركزية والجمود والتخلُّف، والعجز عن توفير أبسط مستلزمات الحياة، حتى بلغت حدَّ المجاعة.

في تلك الفترة، نشأت ظاهرة أنذرت بموتٍ حتمي، هي محاولات العلاج بجرعاتٍ فوق طاقة تحمُّل النظام والناس والدولة، وصارت «العظمى» أقرب إلى حقل تجارب، ما إن تفشل محاولة حتى تبدأ أخرى، ولكن نحو فشلٍ جديد، وهكذا إلى أن قرَّر أقطاب الحزب والدولة اللجوء إلى عملية جراحية.

في عام 1991، وبينما كان الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي رئيس الدولة ميخائيل غورباتشوف، يقضي إجازة في منتجعه بالقرم، قام عددٌ من أعضاء المكتب السياسي، ومعهم قيادة الجيش السوفياتي العملاق بانقلابٍ هدفه إعادة السلطة والنفوذ لمن كانوا يصنَّفون بالمحافظين من قادة الحزب والدولة، كان هدفهم الأول بوريس يلتسين الذي قطع شوطاً في الإعداد لتخليص روسيا من الشبكة السوفياتية المتهتكة، بما يعني التفكك الرسمي والنهائي للاتحاد، وقيام دولة روسيا المستقلة.

فشل الانقلاب بعد أن ملأ موسكو بالدبابات. انضم قائد الدبابة المنوط بها قصف مقر يلتسين في قلب العاصمة موسكو، إلى معارضي الانقلاب، لم يكتفِ بالامتناع عن قصف المقر الذي كان يسمَّى «البيت الأبيض» نسبة لحجارته البيضاء، وليس إيحاءً بغير ذلك؛ بل دعا يلتسين المستهدَف إلى اعتلاء برج دبابته، ليلقي خطاباً ندد فيه بالانقلابيين، واتهم غورباتشوف بالتواطؤ، وبأقل قدرٍ من جهدٍ عسكري أو أمني فشل الانقلاب، واختفى قادته بين منتحرٍ ومعتقل.

في أيامٍ معدودات انتهت «العظمى»، كأنَّها لم تكن، وسُجِّل في التاريخ أنَّ أكبر إمبراطورية نافست على حكم العالم هي الأقل عمراً في تاريخ الإمبراطوريات.

في 25 ديسمبر (كانون الأول) 1991، استقال غورباتشوف، وفي اليوم التالي جرى تصويتٌ في البرلمان على إنهاء الاتحاد السوفياتي، لتنهض روسيا كدولة مستقلة، وحفَّزت خمس عشرة جمهورية سوفياتية على إعلان استقلالها، وصار يلتسين القائد الشيوعي السابق أول رئيس لدولة روسيا المستقلة، وبعد حصوله على عفوٍ من الذي رشَّحه خليفة له، مات لتدخل روسيا عهد بوتين الذي لا يزال قائماً ومستمراً.

نهاية «العظمى» -وما تلاها من ظاهرة مؤقتة سُمِّيت «أحادية القطب» بفعل بقاء الإمبراطورية الأميركية- فتحت الطريق أمام تطوير نفوذ الإمبراطورية الصينية، واستعادة بعض نفوذ الإمبراطورية الروسية، مع تنامي مساحة النفوذ للدول الإقليمية الكبرى، إلا أن الحقيقة الأهم من ذلك كله تكرَّست بأن لا مجال لولادة إمبراطورياتٍ جديدة.

بعد استقالة غورباتشوف والإعلان الرسمي عن تفكك الاتحاد السوفياتي، واستقلال الدول التي شكَّلته، جرى تشييعٌ غير مهيب لـ«العظمى»، مشيتُ فيه حين كنت ممثلاً لفلسطين فيها. وبعد انتهاء التشييع وصلتني رسالة من وزارة الخارجية التي تَغيَّر اسمها من السوفياتية إلى الروسية، تبلغني بأن صفتي تحوَّلت من سفير دولة فلسطين لدى الاتحاد السوفياتي، إلى سفير دولة فلسطين لدى جمهورية روسيا الاتحادية. ما حدث قطع بأنه لم يعد هنالك من متسع لدولة عظمى جديدة، سواء كانت نووية أو على العتبة.

مقالات ذات صلة