العراق في مهبّ رياح الحرب ونيرانها

محمود الريماوي

حرير- مع اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران منذ أربعة أسابيع، حرص العراق، أسوةً بغيره من دول عربية، على النأي بالنفس عن مجرياتها، وحذّر من تداعياتها ودعا إلى وقفها. غير أنّ الحرب ما لبث نطاقها أن اتّسع، إذ شرعت إيران في استهداف دول الخليج والأردن بصواريخ ومسيّرات، وامتدّ نطاق الحرب ليشمل الأراضي العراقية، إذ سعت فصائل عراقية ذات ارتباط بإيران إلى الدخول في المواجهة، واستهدفت مقارَّ أميركية في البلاد، فيما استهدفت كلٌّ من أميركا وإسرائيل مواقعَ للحشد الشعبي في أنحاء مختلفة، بينما استهدفت إيران مقارَّ للمعارضة الكردية الإيرانية في كردستان العراق… وهكذا، وجدت الحكومة العراقية نفسها في معمعة الحرب خلافاً لما سعت إليه بالابتعاد عن نيرانها، ويُعدّ العراق البلد العربي الوحيد الذي يشارك جزئياً في هذه الحرب، وتقريباً رغماً عنه.

في واقع الأمر، يعود زجّ العراق في أتون هذه الحرب، في جانب أساسي منه، إلى ارتباط منظّمات وجماعات مسلّحة بإيران، وهو واقع لم تستطع الحكومات العراقية وضع حدّ له، ولم تتوافر الإرادة السياسية الكافية للتعامل معه بنجاعة. وبينما حاولت حكومات متعاقبة دمج هذه الجماعات في القوات المسلّحة، إلا أنّ هذا الهدف لم يتحقّق إلا بصورة شكلية، فما زالت هذه المنظّمات تحتفظ بكياناتها المستقلّة، وبمسمّياتها وقياداتها، وبحكم الأمر الواقع، تحوّلت إلى قوّة رديفة وموازية للقوات المسلّحة، ويمتدّ وجود هذه المنظّمات إلى حضور مدني في دوائر الدولة وفي البرلمان والحكومة. وقبل أسابيع، كانت هذه القوى ممثلةً بالحشد الشعبي وبهيئته السياسية والحزبية (الإطار التنسيقي) تدفع بنوري المالكي كي يقود حكومة جديدة.

وبينما اتخذت الحكومة الحالية برئاسة محمّد شيّاع السوداني موقفاً ينسجم مع المواقف العربية والدولية الداعية إلى وقف الحرب والعودة إلى التفاوض بين طهران وواشنطن، إلا أنّ صوت العراق الرسمي غاب عن التطوّر اللاحق، والمتمثّل في استهداف إيران للدول الخليجية والأردن، إذ بات الموقف الرسمي لبغداد محكوماً بالمعادلات الداخلية التي تحول دون اتخاذ موقف نقدي للسلوك الإيراني إلا في أضيق الحدود، نظراً إلى نفوذ القوى المؤيّدة لإيران في الداخل. وهذا ما تجلّى في الاحتجاج الدبلوماسي على ضرب إيران مواقع في إقليم كردستان، وقد ردّت طهران على ذلك بالقول إنّ الاستهدافات حدثت خطأ.

وقد كشف غياب موقف رسمي من استهداف الدول الخليجية والأردن اضطراباً في التعامل مع التطوّرات، ثم زاد الأمر سوءاً مع استهداف فصائل عراقية دولاً خليجية والأردن بدعوى وجود مواقع أميركية فيها، فيما لم توفّر الاستهدافات الأميركية والإسرائيلية مواقعَ ومعسكراتٍ للجيش العراقي، على غرار ما جرى مرّات عدّة في جنوب لبنان، من استهداف الاحتلال الإسرائيلي مواقع وتجمّعات للجيش اللبناني، على الرغم من عدم مشاركة الجيش النظامي هناك في المواجهات. وهكذا، وجد العراق الرسمي نفسه ضحيةً لهذه المعادلات الداخلية والخارجية المختلّة؛ فقد واظبت أطراف أميركية وإسرائيلية على استهداف مواقع لفصائل عراقية، فيما انبرت فصائل للردّ على هذه الهجمات بتوجيه الصواريخ والمسيّرات نحو دول خليجية وأهداف في الداخل العراقي، ما جعل العراق، وبغير قرار منه، في موقع من يقف إلى جانب إيران، ويشارك جزئياً في هذه الحرب التي تشتدّ مخاطرها يوماً بعد يوم على دول المنطقة، ومنها العراق.

وبينما تحاول الحكومة في بغداد احتواء الموقف بالتصريح بأنّ “الحشد الشعبي” جزءٌ من بنية المنظومة الأمنية، والإيحاء بأنّه يخضع للسلطة المركزية، إلا أنّ هذه المحاولة لا تنجح، بل تزيد الوضع تعقيداً، إذ بموجب هذا التصريح، تصبح الحكومة مسؤولةً ضمناً (على الأقلّ) عن سلوك فصائل “الحشد”، ما يضعها في مواجهة سياسية مع دول الجوار الخليجي ومع الأردن. وقد جاء البيان السداسي الصادر عن خمس دول خليجية والأردن، ويدين الاعتداءات الإيرانية “وخصوصاً الاعتداءات التي تشنّها فصائل مسلّحة موالية لإيران من العراق على عدد من الدول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية”، ليكشف أنّ هذه المواجهة السياسية قد بدأت. وبينما ثمّنت الدولُ الستُّ: الكويت والسعودية والإمارات وقطر والبحرين والأردن “العلاقات الأخوية مع العراق”، دعت الحكومة العراقية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الهجمات التي تشنّها الفصائل والمليشيات والمجموعات المسلّحة من أراضيها نحو دول جواره فوراً، و”حفاظاً على العلاقات الأخوية، وتجنّباً للمزيد من التصعيد”.

يدلّل هذا التطور المؤسف على أنّ سياسة احتضان الفصائل أو غضّ النظر عنها خاطئة، وأنّها تحمّل العراق تبعات سلوك هذه الفصائل التي تدور في الفلك الإيراني، وتسيء إساءةً بالغةً إلى مصالح العراق الحيوية في إرساء أفضل العلاقات مع دول الجوار العربية، علاوة على ما تتركه من توتّرات داخلية، إذ يرغب الشطر الأكبر من العراقيين في سائر المناطق في بقاء بلدهم بعيداً من التأثيرات السالبة الخارجية المصدر، وأن تظلّ تجمعه أعمق الأواصر مع الدول الشقيقة، وأن تنتهي هذه الحرب بأقلّ الأضرار على الجارة إيران وعلى الدول التي لم تكن طرفاً في الحرب.

الحدّ من الخسائر السياسية والأمنية التي أصابت العراق، نتيجة مواقفه الملتبسة والضبابية، يقتضي الخروج بموقف سياسي متّسق تتمسّك فيه الدولة بقرارها المستقلّ وبولايتها العامة على البلاد والعباد، لمنع استشراء الازدواجية في مراكز السلطة والسيطرة والتوجيه، حتى لا تتكرّر مثل هذه السابقة بأن تجد البلاد نفسها في مهبّ رياح الحرب ونيرانها، فيما كان القرار والتوجّه في البدء متماشياً مع الموقف العربي العام، وهو النأي بالنفس، مع تحميل الطرفَين الإسرائيلي والأميركي مسؤولية إشعال الحرب، وذلك حرصاً على سلامة الوطن ومقدّراته.

مقالات ذات صلة