حرب الاستقلال الأمريكية عن الغرب

وسام سعادة

حرير- يشكو دونالد ترامب بشكل محموم من «تخاذل» حلف شمالي الأطلسي في إسناد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة على الجمهورية الإسلامية في إيران، وهذه أول مرة – منذ قيام الناتو – تخوض فيها الولايات المتحدة حربا مشتركة مع دولة أخرى ليست عضواً في هذا الحلف.

يأتي ذلك بعد سنوات من المواقف والأعمال التي أظهرت أن دونالد ترامب يتعامل، سواء في ولايته الأولى – أو بعد رجعته الى البيت الأبيض – مع الحلف الأطلسي على أنه وطأة تثقل على صدره شخصياً، وعلى كاهل المكلفين الضريبيين الأمريكيين. حيث انتقل ترامب من توصيف الناتو بأنه منظمة عفا عليها الزمن، ومن الشكوى من حلفائه الأوروبيين أنهم لا يدفعون ثمن حماية أمريكا له، إلى اتهامهم بجرّ بلاده الى أوحال أوكرانيا، والتباخل عليها بمصالحها المأمولة في غرينلاند، وصولا الى استهجان تراخيهم في الوقت الحالي عن التنسيق النشيط مع أمريكا بغرض تأمين ممرات الطاقة الحيوية لهم قبل أي بلد آخر.

والشيء بخلافه يذكر في هذا الصدد. عام 2003 عارضت فرنسا وألمانيا حرب احتلال العراق لأنها غير قانونية وتفتقر لغطاء الأمم المتحدة، أما بريطانيا وكان طوني بلير رئيس وزرائها حينذاك، فخالفت المزاج الأوروبي حينذاك، بأن انتظمت في تلك الحرب. الثنائي الأطلسي الأنغلو-أمريكي عوّض بهذا المعنى انقسام بلدان الحلف، هذا بعد أن كان الحلف يؤدي غرضه الهجومي في كل من الحرب على يوغوسلافيا 1999 وأفغانستان 2001. اليوم واقع مختلف تماما: بريطانيا وقد تركت الاتحاد الأوروبي مع «البريكسيت»، تبدو في تخلفها عن الدخول الى الحرب على إيران – حتى الآن – كما في انخراطها المتقدم في مساعدة أوكرانيا عسكريا، أكثر أوروبية من قبل.

الترامبية لا يمكن فهمها من دون التوقف أمام حساسيتها تجاه «المشترك الغربي». عام 2004 دعا المفكر الفرنسي فيليب نيمو في كتابه «ما هو الغرب؟» – وفي باله الانقسام الحاصل آنذاك بين أمريكا والمجموعة الأوروبية على خلفية الموقف من حرب العراق – إلى قيام «اتحاد غربي» يتجاوز الناتو والاتحاد الأوروبي، بحيث يكون اتحاداً سياسياً واقتصادياً وأمنياً يعكس وحدة حضارية تجد مرتكزاته في الأسس اليونانية الرومانية واليهو – مسيحية [أضف الى النهضة التي يعيدها إلى الإصلاح البابوي الغريغوري الكبير] والليبرالية الحديثة لهذه الحضارة، ولأن الأمم المتحدة ليس بالمستطاع التعويل عليها كثيراً في مأسسة وتعزيز القيم الليبرالية. الترامبية هي النقيض الأمضى لكل هذا. الارتياب من المفهوم الحضاري للغرب لازم لها. جعل أمريكا «عظيمة من جديد» تستدعي عنده حساسية «أنتي غربية».

ترامب نفسه الذي مزق الاتفاق النووي مع إيران عام 2018 من دون الرجوع إلى رأي حلفائه في المجموعة الغربية، يبدي سخطه اليوم عن إحجام الدول الغربية عن القيام بدورها الى جانبه.

تردي علاقة ترامب وإدارته مع الإطار الذي مثّله حلف شمالي الأطلسي يترافق إلى حد كبير مع اتساع الخلاف حول السياسة الخارجية بين الجمهوريين والديمقراطيين. عندما كان يقال بأن الانتخابات في أمريكا لا تتمحور على السياسة الخارجية كان هذا لاتفاق الحزبين على محددات مشتركة لهذه السياسة ومقومات الأمن القومي. فكي تنخرط الولايات المتحدة في الحرب الباردة كان لا بد من الميثاق، الذي صاغه – في ظل إدارة الديمقراطي هاري ترومان – السيناتور الجمهوري آرثر فاندنبرغ عام 1948، بحيث يعلّق الجمهوريون نزوعهم الانعزالي، طالما الخطر السوفياتي قائم، ويتبنى الديمقراطيون معاداة الشيوعية كما لم يحدث من قبل. تعرّض هذا «الميثاق» لاختبارات عديدة بل لانتكاسة فعلية إبان حرب فيتنام، إلا أن أثره بقي فعالا طيلة الحرب الباردة، بل لم يحصل أن ضعف أثره بالشكل الذي هو حادث اليوم. في الوقت نفسه، الثنائية الحزبية الأمريكية تتحول أكثر فأكثر الى رباعية. ينقسم الحزب الديمقراطي أكثر فأكثر بين يسار (متأرجح بين ما للحقوق وبين ما للهويات) وبين «ديمقراطيين جدد» (استقرار ونمو). وينقسم الجمهوريون أكثر فأكثر بين محافظين تقليديين وبين يمين شعبوي. الانتخابات النصفية في نوفمبر القادم محك أساسي لتظهير هذه القسمة الرباعية وهل تكون تطويقية بالمحصلة لسياسات ترامب أو على العكس من ذلك، تسمح له – في ظروف الحرب في الشرق الأوسط بالدرجة الأولى – من الاحتماء وراء تنوعات «اليمين الأوسع» – الجمهوريون بجناحيهم، زائد يمين الديمقراطيين. في المقالب، قد تنقلب المعادلة الرباعية ضد ترامب إن حصل التقارب بين تقليديي الحزبين تبعا لفاتورة الحرب ونتائجها. واقعة أن ترامب – رغم سيطرة الجمهوريين على مجلسي الكونغرس – قد تخفف من لزوميات البحث عن غطاء برلماني، وأنه لا يزال يراهن على شن هجمات جوية على إيران دون التورط في الحرب البرية، وعلى إسقاط النظام الإسلامي بالمحصلة إنما دون إرهاق الذات بـ»بناء الأمم».

لقد فرضت الظاهرة الترامبية نفسها على رأس القوة العظمى لأنها قدمت توليفة تعيد صياغة الاتجاه «الانعزالي» بالمعنى الأمريكي – إدارة الظهر للعالم القديم، للجزيرة – العالم – بشكل يزيد من «مطواعية» باقي العالم. بدلاِ من «إدارة الظهر» تماماً، ناور ترامب بالانسحاب، من الناتو، من منظمة التجارة العالمية، من الأمم المتحدة، سعيا وراء فرض تنازلات لم تكن لتحدث في ظل الدبلوماسية التقليدية. يتبدى اليوم أكثر فأكثر، أن سبيله الى ذلك يمر عبر إجادة اللعب على تناقضات الآخرين، في مقابل الاستهتار المطلق بأي حاجة لإعادة بناء توازنات، سواء ضمن الغرب، أو في الشرق الأوسط. في ولايته الأولى، لم يدخل ترامب أي حرب، خلافا لأسلافه متسلسلين. اكتفى بضرب قاعدة الشعيرات وقتل سليماني. في ولايته الثانية وتحديدا في الأشهر الأخيرة، ضرب في نيجيريا، قصف وخطف رئيسا لفنزويلا، وفجّر أكبر نزاع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بهذا المدى الجغرافي وبهذا التأثير على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي. كل هذا بأوامر رئاسية يصير الاكتفاء بها أصعب إن استفحلت الحرب وما عاد هناك من مجال لتلافي العمليات البرية أو حتى للتفكير باستخدام سلاح الدمار الشامل. السؤال عندها لا يحصر بكلفة الحرب، إنما بكلفة جحود ترامب بالإجماع الغربي، بالفكرة عن الغرب، بالسردية حول المشترك الديمقراطي الليبرالي في هذا الغرب، وهو فعل ذلك مرة حيال أوكرانيا، ومرة بخصوص إيران. حرب ترامب – مع إسرائيل – على إيران المهووسة بالعداء الثقافي للغرب والأمركة على حد سواء – هي أيضا حرب التخفف من الفكرة الغربية. هي حرب استقلال الولايات المتحدة عن «الغرب».

مقالات ذات صلة