طعنات أميركية في ظهر الخليج العربي

خالد الحروب

حرير- في نظر سياسيين غربيين كثيرين، انتظمت علاقة الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وفق معادلة “الأمن مقابل النفط”. تضمن أميركا أمن المنطقة مقابل ضمان دولها تدفق النفط من دون عوائق. هذه المعادلة خلاصة سياسات غربية معقدة ولئيمة تسارعت بعد استخدام الملك فيصل النفط سلاحاً في السياسة في أثناء حرب 1973. إثر تلك الحرب، قاد المهندس الحقيقي للسياسة الأميركية في سبعينيات القرن الماضي، هنري كيسنجر، مبادرات وقرارات قيّدت استخدام النفط أداة سياسية من منتجيه. توافقت الدول الغربية وحلفاؤها، أميركا وأوروبا وكندا وأستراليا واليابان، على إضعاف القيمة الاستراتيجية للنفط، ليس فقط عبر تحويله إلى سلعة يُحدّد سعرها السوق (وليس المُنتج)، مع إغراق السوق بنفط بحر الشمال، بل تحويله إلى عبء وتهديد المُنتجين بعدم شرائه. دار التاريخ دورة مُذهلة انتقل بها النفط من أداة ضغط بيد منتجيه إلى أداة ضغطٍ ضدهم… الآن، حتى معادلة الحد الأدنى من المصالح الخليجية والعربية، “الأمن مقابل النفط”، يجري التضحية بها في حرب نتنياهو وترامب على إيران، وما نتج عنها من ردات فعل إيرانية. التأمل في قرار الشروع بالحرب، وسيرورتها، وتتالي حلقاتها، والتهديدات المتلاحقة، سواء من إسرائيل أو أميركا، يقود، في أحد مساراته، إلى ملاحظة خط متواصل من الخذلان الأميركي للخليج وعدم الاهتمام بمصالحه. لا يهم إن تعرّضت دول الخليج وشعوبه إلى أخطار كبيرة جرّاء الاندفاع نحو حرب مجنونة يستجيب قرارها لعجرفة قادة مهووسين بذواتهم وغرور قوتهم، من دون اكتراثٍ لمصالح شعوب المنطقة ودولها. المهم هو موافقة إسرائيل على ما تريد أن تقوم به، حتى لو أدّى ذلك إلى انفجار المنطقة وتدميرها.

أربع طعنات أميركية كبيرة ومؤلمة يمكن القول إنها وُجّهت إلى دول الخليج وأمنها ومصالحها قبيل هذه الحرب وخلالها (ليست حصرية ويمكن إضافة غيرها). الأولى: دبلوماسية (وسياسة) التظاهر بالتفاوض، في حين كان قرار الحرب قد اتُّخذ مُسبقاً بالتنسيق مع إسرائيل، وكما كُشف لاحقاً. مرّة تلو الأخرى لعبت دول الخليج، وتحديداً عُمان وقطر، دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، بهدف تجنيب المنطقة ويلات حربٍ لا يعرف أحدٌ مآلاتها إن اندلعت. دُهش العالم في السنة الماضية عندما شنّت أميركا وإسرائيل حرب الـ12 يوماً خلال جولات المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، إن مسقط أو جنيف، وبعد توالي التصريحات الأميركية “الإيجابية” التي أوحت بأن اتفاقاً ما قيد الوصول إليه. في المرّة الثانية، الحالية، تكرّر مسلسل الخداع على نمط عصابات المافيا، حيث يجب ألا تستبعد خطّة جُربت وصارت مكشوفة. ظنّ كثيرون أن ما حدث في يونيو/ حزيران الماضي لن يحدُث هذه المرّة، بيد أن العقل المافيوي هو ما قد ساد وليس سياسات الدول ودبلوماسياتها. وعليه، من يضمن آلية مفاوضات إنهاء هذه الحرب عندما تحين تلك اللحظة، وتفرض نفسها على الجميع، ويؤكّد أن خدعة ثالثة لن تحدث؟

الطعنة الثانية، والأهم، إخراج دول الخليج وشعوبه ومصالحه من الحسابات الأميركية في الحرب. لم يفكر ترامب ولا بطانته في واشنطن بالاحتمالات التي كان يطرحها كثيرون بشأن انفجار المنطقة، وتوسّع الحرب إقليمياً، والخسائر الفلكية التي ستتعرّض لها دول المنطقة، والردود المُحتملة من إيران واستهدافها دول الجوار، وكذا مصالحها الحيوية، ومخاطر ذلك كله. كل ما قد استحوذ على تفكير ترامب والمهووسين بحرب إسرائيل من حوله المصلحة الإسرائيلية والاستجابة شبه العمياء لطروحات نتنياهو وتنظيراته عن حرب سريعة يجري في أول أيامها “قص الرؤوس”، ثم يُترك الأمر لثورة الإيرانيين من الداخل لإنهاء النظام، وينتهي الأمر في أقل من أسبوع… بعد أن اندلعت الحرب، وتبنّت إيران استراتيجية شبه انتحارية، ووجهت ضربات مفاجئة ومرفوضة إلى دول الخليج، خسرت بها مستقبل علاقاتها مع جوارها الخليجي المصدوم، صرّح ترامب بأنه فوجئ من ردة الفعل ولم يكن يتوقعها. كيف يمكن ألا يكون ذلك متوقّعاً من منظّري أقوى آلة عسكرية واستراتيجييها، وهي التي تزعم قدرتها على التنبؤ، بما فيها ادّعاء أن صواريخ إيران يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة نفسها، وأن تخصيب اليورانيوم وامتلاك سلاح نووي كان قيد التحقق خلال أسبوعين.

الطعنة الثالثة، سماح ترامب لإسرائيل باستهداف (وضرب) المنشآت النفطية في جزيرة خارج، والتي تمثل عصب صناعة النفط الإيراني، ما استدعى ردّاً إيرانياً استهدف منشآت النفط والغاز في دول الخليج جميعها، باستثناء عُمان. مرّة أخرى، صدم هذا الرد شعوب دول الخليج وحكوماتها التي رأت أنها تُزجّ في معركة ليست معركتها، وتدفع أثماناً باهظة لمراهقات سياسية، وأن إيران تستعدي دول الجوار بما يوسّع من دائرة أعدائها بدل تقليصها. بيد أن الخذلان الأميركي تمثّل هنا في المعرفة المسبقة بردات الفعل الإيرانية التي استهدفت دول الخليج. ومع ذلك، عدم الاكتراث والعجرفة ظلا الأسلوب المتبع من ترامب وصنّاع السياسة الأميركيين. وكان همّه وهمّهم نفسه الهمّ الإسرائيلي، والسير معه إلى آخر الشوط.

الطعنة الرابعة، كانت في تهديد ترامب بضرب كل المنشآت النفطية في إيران والبنية التحتية الأساسية، ما لم تفتح إيران ممر هرمز المائي، خلال 48 ساعة، من دون التفكير بانعكاسات هذا على الخليج العربي. إيران، مرّة أخرى وعلى الفور، هدّدت بأنها ستردّ بالمثل، أي استهداف المنشآت النفطية بإسرائيل والمنطقة كلها، بل واستهداف البنية التحتية مثل محطات الكهرباء وتحلية المياه إذا نفذت أميركا تهديداتها وضربت تلك المنشآت في إيران. في ظرف أسبوعين أو ثلاثة تحول هدف الحرب الهستيرية من إسقاط النظام وتحطيم قدراته الصاروخية والنووية إلى إجبار إيران على فتح الممرّ المائي الاستراتيجي. لحسن الحظ أن التردد المشهود عند ترامب اشتغل إيجابيّاً هذه المرّة، وأوقف تنفيذ ذلك التهديد ومدّده خمسة أيام، لأن هناك “مفاوضات مثمرة” مع إيران قيد الحدوث، كما صرّح. وبعيداً عن تفاصيل التأجيل وتكهّناته وأسبابه واحتمالات نجاح المفاوضات غير المباشرة أو استمرار الحرب، يبقى المذهل هنا ما بدا من استهتار ترامب بمصاير دول الخليج وشعوبها ومصالحها، وهو يقامر بإطلاق هذه التهديدات بلا احتساب لردات الفعل. وهو، ودوائر صنع القرار الأميركي حوله، يرون أن دول الجوار العربي تدفع أثماناً باهظة لتهديداته ومقامراته. تصريحاته وما كتبه عن الصفقات وإداراتها تخبرنا بأن هذا الرئيس الأهوج حذِرٌ عندما يستخدم ثروته ومصالحه في أي صفقة، بينما يقامر بمصالح الآخرين وحيواتهم ودولهم إلى آخر مدى، ومن دون أدنى اكتراث للنتائج.

مقالات ذات صلة