
ترامب قبل الهدية وإيران تُنكر ونتنياهو قلق
سهيل كيوان
حرير- يزداد الحديث عن قرب وقفٍ لإطلاق النار، ويتصاعد الأخذ والرد حول وساطة ثلاثية تقودها باكستان وتركيا ومصر، هناك من ينتظر نتائجها بأمل النجاح، وهناك من هو قلق من نجاحها ويريد لها الفشل. هذه المبادرات لا تتحرك من فراغ، بل من شبكة مصالح ومخاوف تدفع هذه الدول بعينها إلى لعب دور فرق الإطفاء، قبل انتشار أوسع للنيران لا يمكن تحديد مساحته ولا توقع حجم نتائجه.
لهذه الدول الثلاث علاقات اقتصادية وأمنية وروابط تاريخية وعقائدية مع الدول المتورطة في الصراع، وهي تسعى إلى حماية شبكة علاقاتها الاقتصادية والسياسية العميقة وخصوصا مع دول الخليج.
التبادل التجاري بين تركيا ودول الخليج، يتراوح بين عشرين وثلاثين مليار دولار سنوياً، إلى جانب استثمارات خليجية واسعة داخل تركيا، مع دور خاص لقطر في دعم اقتصاد تركيا، خصوصا في أوقات الأزمات، كذلك فإن لتركيا علاقات وتنسيقات أمنية خاصة مع قطر، وفي الوقت ذاته لها علاقة مركبة مع إيران المصلحة إلى جانب التنافس، ولكنها لا تريد أن ترى تدهورا تجد نفسها فيه متورطة في مواجهة مع إيران. أما مصر، فترتبط بعلاقات حساسة جدا، إضافة إلى موقعها كأكبر دولة عربية، فهي تعتمد على استثمارات خليجية بعشرات المليارات، إضافة إلى تحويلات المصريين العاملين في الخليج، التي تتراوح بين عشرين وثلاثين مليار دولار سنويا. كذلك فإن استمرار القتال وتوسعه سوف يؤثر على عائدات قناة السويس سلباً أكثر وأكثر. في حالة باكستان، تمثل تحويلات العمالة من الخليج، التي تتراوح بين عشرة وخمسة عشر مليار دولار سنويا شريانا اقتصاديا حيويا، إلى جانب الدعم المالي والاستثمارات المباشرة، لكن خصوصية الدور الباكستاني لا تتوقف عند الاقتصاد. فالعلاقة بين باكستان والسعودية تتجاوز ذلك إلى بعد استراتيجي أعمق، يقوم على تعاون عسكري طويل، يصل في بعض مراحله إلى مستوى شراكة دفاعية متقدمة، تقوم على التدريب والتنسيق والدعم. وفي الوقت نفسه، تحتفظ باكستان بعلاقة مستقرة نسبيا مع إيران، بحكم الجوار والمصالح المشتركة، ما يفرض عليها توازنا دقيقا. فهي لا تستطيع أن تنخرط في اصطفاف حاد ضد إيران، كما لا تستطيع أن تتجاهل التزاماتها تجاه الخليج، خصوصا مع وجود تجمع شيعي كبير داخلها، يُعد الأكبر خارج إيران، ويقدر بحوالي 20% من السكان، أي أنه قد يصل إلى أربعين مليون نسمة، ما يجعل أي تصعيد إقليمي يحمل أبعادا داخلية حساسة.
أردوغان يرى في نتنياهو مصدر الشر في المنطقة، وأن إسرائيل تستهدف غزة والضفة الغربية ولبنان واليمن وإيران، لأسباب عقائدية وصفها بـ»هذيان الأرض الموعودة»، وسوف يبذل جهده ونفوذه لإفشال نتنياهو الذي يريد جعل المنطقة كلها تحت رحمة سياطه.
أدوار الوسطاء الثلاثة ومن خلفهم دول عربية أخرى تلتقي عند هدف واحد، منع الحرب من أن تتحول إلى حرب شاملة، لكنها رغم أهميتها، لا تملك مفتاح القرار، فالمفتاح، في جانب كبير منه، يبقى في يد ترامب، حيث يتحرك بين ضغوط متشابكة. في الداخل الأمريكي، هناك اقتصاد حساس لأي ارتفاع في أسعار النفط، وقاعدة سياسية تتزايد رافضة اتساع الحرب، وتسعى إلى وقف الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة. هناك حلفاء في الخليج توخوا الحماية من الدولة العظمى، ولكن هذه الدول ترفض الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، لأنها تدرك أنها ستكون أكثر المتضررين، وقد رأت أن أمريكا ليست ضمانة لأمنها، ولهذا يحاول الجميع الآن فتح قنوات تمنح ترامب مخرجا يمكنه من تسويقه كإنجاز عظيم ليوقف القتال على الأقل لفترة تُمنح فيها فرصة أخرى لمفاوضات.
وكما يبدو فإن ترامب يبحث مع الوسطاء عن لحظة يمكن فيها إعلان نجاحه، من دون دفع تكلفة الحسم، ومن هنا نفهم قوله إنه تلقى هدية كبيرة من إيران، كما يبدو أن الوسطاء عرضوا عليه ما يعتقدون أن إيران تتقبله كإجراء مؤقت يتعلق بمضيق هرمز، كإجراء لوقف القتال لمدة ما تدار خلالها مفاوضات لحلول أعمق. غير أن هناك من جن جنونه، فمسار الوسطاء هذا لا ينسجم مع رؤية نتنياهو، الذي بات يرى في نفسه الرجل الأول في المنطقة، ويُنظر إليه في إسرائيل كعبقري وقائد تاريخي استطاع توظيف قائد الدولة العظمى لمآربه. نتنياهو يرى في توسعة الحرب فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوة في المنطقة، فهو ما زال يحظى بأكثرية مؤيدة للحرب في إسرائيل، ويسعى إلى تجنيد حلفاء آخرين في حالة استمرت الحرب لفترة أطول، وقد تتورط فيها دول عربية وأوروبية وهذا سيكون منتهى الفوز بالنسبة له. لا يقتصر طموح نتنياهو على جولة عسكرية ناجحة، بل يتجاوز ذلك إلى أهداف تقليص، أو إنهاء دور حزب الله في لبنان، وعقد اتفاقية سلام مع لبنان بشروط نتنياهو، وإضعاف النظام في إيران إلى الحد الأقصى، الذي يفتح الطريق إلى إسقاطه أو إبقائه كسيحاً عاجزاً، وكذلك استنزاف مقدرات الدول الخليجية التي تعتبر مصدرا مهما في اقتصادات دول المنطقة.
لكن أهداف ترامب ونتنياهو تصطدم مباشرة بالشروط الإيرانية الحاسمة، ومن بين هذه الشروط وهي خمسة عشر شرطا، يبرز مطلب وقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله، كشرط أولي لأي تهدئة. إيران لا يمكن أن تقبل بوقف إطلاق نار معها، وترك حزب الله الذي هب لنصرتها وحيداً، وهذا البند لوحده كفيل بإفشال ما يخطط له نتنياهو، فخروج حزب الله من هذه المعركة من غير تلبية شروط نتنياهو وترامب، سيعتبر نصراً للحزب، رغم خسائره الهائلة المادية والبشرية. لا يملك الوسطاء فرض حل، لكنهم يعملون على تقليص الفجوة بين المواقف المتعارضة وحتى المتصادمة. إسرائيل تريد تغيير الواقع، وشروط إيرانية تريد تثبيته، ورئيس أمريكي يريد أن يقول لقد حطمت إيران الدولة التي تجرأت على التفكير بصناعات عسكرية متقدمة. الخطر الأكبر، الذي تدركه هذه الدول الوسيطة ومعها دول الخليج، هو الانزلاق إلى استهداف مصادر الطاقة، وهي اللحظة التي قد تدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من الحرب، لا يمكن احتواؤها بسهولة، وتضع هذه الدول أمام اختبار حقيقي لعلاقاتها وتحالفاتها. في النهاية، لا يكون وقف إطلاق النار نتيجة اتفاق كامل، بل نتيجة توازن دقيق بين ما يمكن تحقيقه وما لا يمكن فرضه. الوسطاء لا ينهون الحرب تماماً، بل يمنعونها من أن تتجاوز نقطة اللاعودة.. وترامب لن يسعى إلى وقفها لأنه حسمها، كما زعم من اليوم الأول، بل لأنه يريد تجنب كلفتها إذا ما طالت واتسعت. أما التناقض بين الرغبة الإسرائيلية في الحسم، والشروط الإيرانية بالتثبيت، فيبقى وديعة للمستقبل.



