بعد مجازر غزة: هل بقيت على عين غشاوة؟

عبد الحميد صيام

حرير- مجازر غزة أيقظت العالم، وكشفت الطبيعة الحقيقة للكيان الإسرائيلي ودوره وأهميته للدول الغربية الاستعمارية، خاصة الولايات المتحدة. لكن ما زال في وطننا العربي من على أبصارهم غشاوة، ويعتقدون أن سلاما حقيقيا يمكن أن يتحقق بين هذا الكيان وأبناء المنطقة، عربا وإيرانيين، وأتراكا، وأكرادا. إنهم لا شك واهمون أو حالمون أو متآمرون.

ظل الكيان معزولا محاصرا مقاطعا في العالم العربي، إلى أن حدث الاختراق الكبير بينه وبين الشقيقة الكبرى. رغم أن نظامين عربيين على الأقل أقاما علاقات سرية وطيدة معه منذ البداية، إلا أن التحول التاريخي عام 1979 سهّل الاصطفاف في طابور المهرولين نحو التصالح معه، في ظل خطابات الاعتراف بالواقع والجنوح للسلم واستحالة هزيمته.

ثقافة التصالح وصلت إلى أصحاب القضية نفسها، لقد فتحت اتفاقيات أوسلو الأبواب على غواربها للاندلاق العربي سرا وعلانية للتطبيع مع الكيان. وانظر أين وصلنا بعد حرب الإبادة، التي استمرت سنتين كاملتين، وها هي تتمدد لتشمل المنطقة برمتها من كردستان العراق إلى مضيق باب المندب إلى البحر المتوسط.

لقد ذهب البعض بعيدا في التعامل مع الكيان بعقد الصفقات والاتفاقيات التجارية والتكنولوجية والفنية والأمنية والعسكرية. وتمادى آخرون بأن استقبلوا جنود العدو لقضاء الإجازات في بلادهم، وفتحوا أجواءهم للانقضاض على إخوة الدم والعقيدة، واستقبلت موانئهم السفن المحملة بالسلاح، وفتحوا حدودهم للشاحنات المحملة بمستلزمات الحياة اليومية. لقد ظن بعض حكام الإقليم أن السلام ممكن، والتصالح يعني مرحلة جديدة من الاستقرار والتخلي عن القضية الفلسطينية ربما يعجل الحل.

الغريب أن معظم القيادات السياسية ترى الذئب بعيونها، وما زالت تبحث عن آثاره. هذا الكيان قائم على الإقصاء والقتل والتهويد والضم، وخلق الفتن والتفتيت، وتجنيد العملاء. تتلمذ على يديّ منظر التطرف الصهيوني اللامحدود زئيف جابوتنسكي الذي قال: «لا يوجد شيء اسمه عدالة أو قانون، وليس هناك رب في السماء. القانون الوحيد الذي يحسم وينتصر هو الاستيطان اليهودي في الأرض».

وأود أن أذكر القراء الكرام ببعض الانتهاكات الفظيعة للدول العربية، عدا الحروب الكلاسيكية مع دول الطوق، التي فاقت العشرين حربا على الجبهات الخمس (فلسطين ومصر والأردن وسوريا ولبنان). الأمثلة التي سأسوقها كلها تندرج تحت مصطلح «العدوان» وانتهاك السيادة الوطنية، التي تمنح الدولة المعتدى عليها، حق الرد كما نص عليه بند 51 من ميثاق الأمم المتحدة. أي حق إعلان الحرب دفاعا عن النفس، أو القيام بعمليات انتقامية والقانون الدولي يكون إلى جانبها. واختصارا للقول أذكر الاختراقات التالية:

– العراق: عملية بابل: تدمير المجمع النووي أوزيراك (OZIRAK). مساء 7 يونيو 1991 انطلق سرب من الطائرات الإسرائيلية فاخترق المجال الجوي الأردني قرب خليج العقبة، ثم دخل المجال الجوي السعودي وتحدث قائد السرب زئيف راز بلهجة أردنية مدعيا أنه ضل الطريق ثم دخل المجال الجوي العراقي، حتى وصلت الطائرات فوق المجمع الساعة 6:35. استمرت الغارات لمدة دقيقتين وتركت المجمع ركاما وعادت سالمة- قتل عشرة جنود عراقيين ومهندس فرنسي قيل إنه عميل للموساد وسهل عملية التدمير.

– سوريا: قامت على الأقل 4 طائرات يوم 6 يوليو 2007 بتدمير المجمع النووي السوري بدير الزور، الذي تم إنشاؤه بمساعدة تقنية من كوريا الشمالية، وتمويل إيراني زاد عن المليار دولار. وعد النظام بالرد في المكان والزمان المناسبين. وفي 30 يناير 2013، أعلنت الحكومة السورية، تدمير مجمع جمرايا للأبحاث الاستراتيجية قرب دمشق. قدمت الحكومة شكوى رسمية ذهبت لقائد قوات الأمم المتحدة لفصل القوات (UNDOF) ومقرها الجولان.

– لبنان: قامت وحدة كوماندوز إسرائيلية يوم 28 ديسمبر 1968 بالغارة على مطار بيروت ودمرت 13 طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية. قاد العملية رافائيل إيتان واستمرت 40 دقيقة، دون أي مقاومة.

– الأردن: يوم 24 ديسمبر 2017 قام حارس السفارة الإسرائيلية في عمان بقتل أردنيين لأنه أصيب بالذعر، بعد مجادلة حادة مع النجار محمد الجواودة (17 سنة). الدكتور بشار الحمارنة (58 سنة)، صاحب الشقة، قتل كي يخفي القاتل جريمته. والأدهى من القتل أن نتنياهو استقبل القاتل في مكتبه وشد على يده ورفض تسليمه للسلطات الأردنية للتحقيق معه. وفي يوم 25 سبتمبر 1997- وبناء على تعليمات مباشرة من نتنياهو، دخل إلى الأردن عميلان للموساد بجوازات سفر كندية، وانتظرا خالد مشعل رئيس فرع حركة حماس في الأردن، أمام مقر الحركة وغرز أحدهما إبرة قرب أذنه أفرغت حقنات من السم في جسمه ففقد الوعي فورا. من حسن حظ مشعل والأردن أن حراس مشعل تمكنوا من القبض على العميلين. غضب الملك حسين على هذا الاختراق، فهدد إسرائيل بإلغاء اتفاق السلام ومحاكمة العميلين علنا، إن لم يرسل نتنياهو مادة لإبطال مفعول السم فورا، وإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين رئيس حركة حماس. طار إلى الأردن رئيس الموساد داني أتون حاملا معه الترياق الخاص بإبطال مفعول السم وعاد بصحبة العميلين وأطلق سراح الشيخ.

– الإمارات: وصل مطار دبي نحو 32 عميلا للموساد بجوازات سفر أوروبية في معظمها. دخلت المجموعات المدينة بكل خفة ومهارة، وتوزعوا في عدة فنادق بما فيها الفندق الذي يقيم فيه محمود المبحوح أحد قادة حماس المعروفين. هاجمت مجموعة غرفة المبحوح، حيث تم تخديره وصعقه بالكهرباء وخنقه في غرفة نومه. ثم عاد الجميع وخرجوا من البلاد بالخفة والمهارة اللتين دخلا بهما.

– قطر: بتاريخ 9 سبتمبر 2025، قام الكيان الصهيوني بشن غارة على مقر اجتماع للوسطاء مع قيادة حركة حماس في الدوحة، ما أدى إلى مقتل ستة أفراد من بينهم رجل أمن قطري.

– السودان: في 23 أكتوبر 2012، قامت أربع طائرات إسرائيلية بقصف مصنع «اليرموك» للذخيرة قرب مدينة الخرطوم. وقد أعلن وزير الإعلام السوداني أن إسرائيل استهدفت المصنع «لإضعاف قدراتنا الدفاعية وتطويرها من أجل إضعاف السيادة الوطنية السودانية».

– مصر: قام عملاء الموساد بتاريخ 13 يونيو 1980 باغتيال العالم المصري يحيى المشد في الحجرة رقم 941 في فندق الميريديان بباريس وهو في طريقه إلى بغداد.

* في سبتمبر 2004 أطلق الجيش الإسرائيلي قذيفة باتجاه رفح فقتل 3 جنود مصريين. وفي 18 أغسطس اقتحمت فرقة جنود إسرائيلية الحدود مع سيناء وقتلت 6 جنود مصريين. قامت الجماهير بمحاصرة السفارة الإسرائيلية وإنزال العلم الإسرائيلي ورفع العلم المصري.

– ليبيا: بتاريخ 21 فبراير1973، أقلعت الطائرة الليبية (رحلة رقم 114) من مطار بنغازي إلى مطار القاهرة وبعد دخول الطائرة الأجواء المصرية تعرضت لعاصفة رملية فدخلت خطأ في المجال الجوي فوق سيناء. قامت طائرتان إسرائيليتان بإسقاط الطائرة في صحراء سيناء، ونتج عن الحادث مقتل 108 ركاب من بينهم وزير الخارجية صالح بو يصير.

– تونس: يوم 1 أكتوبر 1985 قامت ثماني طائرات ف-15 خلال ست دقائق بتدمير مقر منظمة التحرير الفلسطينية مخلفة وراءها 60 شهيدا فلسطينيا و200 شهيد تونسي وأكثر من 100 جريح. وفي يوم 16 أبريل 1988 تم اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد) في سيدي بوسعيد. قاد العملية إيهود باراك، ومساعده موشيه يعالون. تم الاعتراف رسميا بالعملية في الأول من نوفمبر 2012. يوم 15 ديسمبر 2016 تم اغتيال المهندس محمد الزواري بعشرين رصاصة في مدينة صفاقس بتهمة مساندته لحركة حماس لتطوير المسيّرات.

هذا غيض من فيض ممارسات الكيان، أنظروا ما يحدث الآن في غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران والعراق. ألم يحن الوقت للاستفاقة أم أن على أبصار بعض القيادات غشاوة فهم لا يـبصرون؟

مقالات ذات صلة