خوفنا من الحرب ومن الآتي بعدها

جواد بولس

حرير- تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن نسبة تأييد اليهود في إسرائيل للحرب على إيران تصل إلى حد 90%؜، ويذكرنا هذا المعطى بنسبة تأييدهم للحرب على غزة بعد هجمة حماس في السابع من أكتوبر عام 2023. لا نعرف فيما إذا ستبقى هذه الأكثرية متمسكة بمواقفها، أم أن بعضهم سيتراجع عنها عندما يكتشفون أن أهداف إدارة ترامب وحكومة نتنياهو من ورائها لا تخدم ما يضمرونه هم لمستقبل إسرائيلهم. فقد بات واضحا أن خريطة الشرق ومعها خريطة التحالفات الدولية ستتغيّر عند نهاية هذه الحرب، سواء انتهت بهزيمة نظام الملالي في إيران، أو باتفاق سياسي ستخضع شروطه، بطبيعة الحال، لقدرة الأطراف المتورطة على الصمود، عسكريا واقتصاديا، وعلى ردود فعل بعض الدول الكبرى التي نأت، حتى الآن، عن التدخل المباشر، أو الخلفي، دفاعا عن مصالحها الاستراتيجية المتضررة.

أكتب هذه الكلمات وأصوات الانفجارات تملأ الليل حولي خوفا؛ وأخبار آخر الهجمات الإسرائيلية على حقول الغاز الإيرانية، التي تمت حسب الأخبار المنشورة في إسرائيل، باتفاق بين نتنياهو وترامب مباشرة، وأخبار القصف الإيراني لمنشآت الغاز والنفط في الدول الخليجية، تنذر بأن الآتي سيكون أعظم !

ليست هذه هي المرة الأولى التي نعيش فيها، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، أجواء الحروب ورهبتها، فمنذ ولادتي في عام العدوان الثلاثي على «جمهورية مصر» لم نعرف طعم العيش بحرية وبسلام وبطمأنينة، ودون خوف من الغد.

لم يكن مصدر خوفنا نابعا من الحروب نفسها وحسب، بل كان خوفا على بقائنا في وطننا، فجميع حروب إسرائيل، وهي الدولة التي صرنا بغفلة نكبة مواطنيها، مع الدول العربية، التي كان من المتوقع أن تحمينا، كانت تدفعنا نحو فوهة الأزمة وتصيبنا بما يشبه الشلل، ونقف على مفارق التاريخ.

أما في هذه الحرب، التي اشتعلت بعد الحرب على غزة، أشعر بأننا نقف عند حافة الهاوية وأمامنا أبديةً «تفتح أبوابها من بعيد، لسيارة الليل، وتعوي ذئاب البراري على قمر خائف» ولا نجد أبا يقول لنا: « كونوا أقوياء مثل جدودكم واصمدوا»، والمعذرة من الدرويش وصاحبه الحصان. كم كنت أرغب بأن أكتب عن أيامي كطفل قضى أول عقد من عمره تحت حراب الحكم العسكري الإسرائيلي حين كان شعار الصالحين الجسورين بيننا يعلن على حيطان شوارع كل قرية ومدينة ويصرخ دون خوف «لا للحكم العسكري، نعم لرغبة الجماهير»، وكنا نحن الأطفال، من تلك الجماهير، نطرب إليه بفرح فطري ومبهم.

وكبرنا قليلا، فهبطت علينا حرب يونيو، أو كما سمّاها المنتصرون تشفيًّا، حرب الأيام الستة، فحبسنا أبونا في بيت ظللنا زجاج شبابيكه باللون الكحلي وبجهلنا. فقد بقيت الحقيقة وراءه ومعها تقاسيم مصيرنا. وقتها، هكذا أذكر، انتظرنا ستة أيام وليال على وقع أنفاس حذرة، كانت تنطلق من صدور أنهكتها الأماني وذكرى «غد طائش»، كان «يمضغ الريح» حتى كان اليوم السابع، «فاستراح فيه الله من كل عمل عمله»؛ وانتقلنا بعده من صدمة النكبة إلى ذل النكسة وفهمنا، نحن الباقين في «الميناء»، كيف علينا أن نحمي بحرنا من صفير الريح ومن إغواءات النوارس، وأن الجهات، مهما وسعت حفافها، يبقى صدر الوطن أوسعها وأجملها وحضنه مستودع الخير والأمان. كبرنا أكثر، صرنا شبابا نطل قليلا على أطراف العالم، لكننا لم نحلم مثل شبابه، ولا تخيّلنا مثلما كان يتخيّل العشاق والمدمنون على ملاحقة السعادة، كيف لو لم تكن هناك «جنة، ولا جحيم تحتنا، ولا توجد دول ولا أديان، ولا شيء تقتل أو تموت من أجله».

تخيّلوا، صرنا نعرف قليلا عن «حروب الاستنزاف»، وكيف تنكسر قلوب أمة بموت «جمالها» فجأة، وينقص بموته أحد عقارب الزمن. كنا نعيش بين ضفتين: على واحدة نغني في مدارسنا عاجزين، ما أملته علينا تعاليم الدولة الجديدة «في عيد استقلال بلادي»، ونهتف في مياديننا مع حداتنا فخورين «لا تعد الخيل، عد ظهورها» و»خيلنا تدوس المنايا خيلنا»، وعلى الضفة الثانية كنا نسمع أم كلثوم وهي تشجينا «بسهران لوحدي، وتعلن «أصبح عندي الآن بندقية»، ونحلم مع عبد الحليم، ونسهر مع صاحبه «الصعيدي الجميل» وهو يرطّب جراح شعبه ويعزّيه «بعدى النهار والمغربية جايّه، تتخفى ورا ضهر الشجر». كنّا نريد أن نبقى مثلهم عربا، نطرب لتلاوة عبدالباسط ونسرح مع فجرية السيد درويش ونرافق «فتوحات» الشيخ إمام. أرادونا قوما بلا هوية وانتماء، لكننا انتمينا لأشعار راشد حسين وتوفيق زياد «وسجل أنا عربي» وأحببنا «حرافيش» محفوظ، وبكينا مع «عبرات» المنفلوطي، «ولم ننم» مثل إحسان عبدالقدوس.. كنا نعيش مراهقة بقلبين، واحد كان يحب ويخفق وآخر يخاف على مستقبلنا وينبض.

وكانت حرب أكتوبر؛ أذكر كيف كنا نتسلل، أنا وصديقي، من بيتنا القلق إلى شوارع القرية المظلمة والخائفة، ومعنا راديو ترنزستور نتابع ما ينقل لنا من أخبار وأغان. في ذات ليلة فهمنا، أن العرب عبروا وانتصروا وصاروا يغنون «صباح الخير يا سينا»، «واحنا الشعب»، وكنا نغني معهم، لكنهم لم يحسبونا لا عربا مثلهم ولا فلسطينيين فبقينا بعد العبور كما قبله: «أضيع من الأيتام على موائد اللئام».

ما أطول سيرتنا وما أغناها، فبعد حرب أكتوبر بثلاثة أعوام خاض المواطنون العرب في إسرائيل إحدى أشرف معارك صمودهم. حينها هبوا للدفاع عما تبقى من أراضيهم وعن كرامتهم، فأهدوا مارس والتاريخ «يوم الأرض» المجيد الذي أصبح شامة على خد كل حر في العالم وعلامة فارقة في هويتهم الجامعة، ونموذجا لدفاع المواطنة عن نفسها في دولة عنصرية، بأدوات من شأنها تبديد مباعث الخوف، الذي كانت تزرعه وتربيه حكومات إسرائيل المتعاقبة.

لن أستطرد في سرد تفاصيل سيرة المواطنين العرب في إسرائيل ومراوحتهم ضمن ثنائية «الخوف ونقيضه»، أو بقالبها الأعمق، ثنائية «الهوية والمواطنة»، التي خضعت دائما لظروف الساعة، كما تخضع في هذه الأيام. كانت تلك السنوات حتى حرب أكتوبر، سنوات التكوين التي انطلقت بعدها إلى «عالم الكبار» طالبا في كلية الحقوق، ثم محاميا ناشطا داخل مجتمعي وفي الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وأسراهم في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأشهد على ولادات ثنائيات «الخوف والأمل» ومعها على سقوط أحلام شبابنا الكبيرة والصغيرة. إنها قصة طويلة عنوانها الخوف والقلق. لا أتحدث عن الخوف المباشر من الحرب الجارية، بل عمّا يرافقها. فقد بينت آخر استطلاعات الرأي، أن نصف سكان إسرائيل اليهود يدعمون طرد العرب، أو نقلهم خارج إسرائيل. إنها سياسة الترانسفير، التي لم تُستبعد من قاموس قادة الحركة الصهيونية قط، بل بقيت كمشروع مؤجل ومتعثر منذ ثمانية عقود. قد تكون مواجهات أكتوبر في عام 2000 بين المواطنين العرب وقوات شرطة إسرائيل محطة فارقة ثانية على خط الانكسار، بين الدولة ومواطنيها الفلسطينيين، الذي عرّاه يوم الأرض الخالد، وتلته محطة ثالثة في مواجهات مايو عام 2021 وفيها تكشفت حقيقة مطامع أصحاب مشروع الترانسفير المبيتة، حتى جاءت بعدها بعامين هجمة حماس في اكتوبر 2023 فتعدى الحديث عن الترانسفير مرحلة النوايا، وغدا ملفاً جاهزاً للتنفيذ كفصل في خطة متكاملة مع ما جرى ويجري في غزة وفي الضفة الغربية.

لا يمكننا فصل هذا السيناريو عن أحداث المنطقة والتطورات الجارية داخل الدول العربية قبل الحرب على إيران وبعدها، وإذا ما تذكرنا أن غزة ذبحت وما زالت تذبح أمام أعين الأشقاء العرب والمسلمين، وأمام جميع حكومات العالم وشعوب الأرض، ولم ينجح أحد بحمايتها، كما لم ينجح أحد بحماية الفلسطينيين في الضفة المحتلة، فإذا تذكرنا ذلك فكيف لنا أن نعتقد أن حظوظنا بالنجاة ستكون أكبر، خاصة في ظل هذه الحكومة ورغبة نصف الشعب، وعدم معارضة المنظومة الأمنية وقوانين الدولة اليهودية الجديدة، وانتقال المنظومة القضائية إلى حضن الحكومة وسياساتها.

لن تكون حظوظنا أقوى إلا إذا عرفنا كيف نكون أقوياء كأجدادنا حين صمدوا، وكيف نجد حلفاء يقفون معنا، حتى لو كان هؤلاء مجرد عيّنات ضعيفة أمام رياح الفاشية، فدونهم لن نصمد.

مقالات ذات صلة