العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية: أخطاء إيران وخيار ديفكون

د. محمد عياش

حرير- سُئل الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون في «غلاسبور». قمة تاريخية عُقدت في يونيو/ حزيران 1967 بين الرئيس الأمريكي ليندون جونسون ورئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيغين في نيوجيرسي. لماذا تؤيد الولايات المتحدة الأمريكية «إسرائيل» ضد الدول العربية على الرغم من أن الدول العربية غنية بالمصادر التي تحتاجها أمريكا؟ فأجاب جونسون: نؤيد «إسرائيل» لسبب واحد فقط: “أنها تظهر بمظهر المدافع عن مصالحنا.”

العلاقة التي تكاد تكون فريدة من نوعها نتيجة استقرار اقتصادي وثقافي كبير لا يستهان به، ولشبكات عنكبوتية معقدة من العلاقات، وتمأسس ضخم داخل الجسم الأمريكي، لدرجة أن الحزبين الكبيرين، الجمهوري والديمقراطي يختلفان في كل شيء إلا على «إسرائيل» يتسابقان في كسب ودها!

إن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» من جهة وإيران من جهة أخرى، ومدى توسعها وانتشارها، تظل ضمن الخطط والمرتسمات التي تتقاطع فيها الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، وبالتالي فإن الاستسلام الإيراني بالنسبة للجانب الأمريكي مرفوض جملةً وتفصيلاً، وعليه تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاستسلام دون شروط، لمعرفته مسبقاً أن الإيرانيين اختاروا عقيدة «هدم المعبد»، وبالتالي لن تتوقف الغارات على إيران حتى تدمير البنية التحتية للنظام الإيراني وخسارته لجميع مراكزه ومؤسساته ومقاره.

يبقى السؤال الكبير الذي يدور في عقل المحللين والمشتغلين بعلوم السياسة، كيف انقلبت الولايات المتحدة على إيران بالرغم من التفاهمات التي كشفها الدكتور تريتا بارسي/ إيراني أمريكي عن وجود علاقات سرية وتعاون خفي بين «إسرائيل» وإيران والولايات المتحدة، مؤكداً أن العداء بين طهران وتل أبيب هو «فقاعة مزيفة» تخفي مصالح استراتيجية مشتركة، حيث يجمعها التحالف ضد العرب وأطماع السيطرة الإقليمية.

أعتقد أن الاتفاق الدفاعي بين المملكة العربية السعودية والباكستان النووية، هو الذي عجل من إنهاء هذا التحالف، وبالتالي فإن العلاقة الأمريكية السعودية الممتازة من وجهة النظر الأمريكية أضمن وأفضل من إيران الغامضة الساعية إلى الحلم الإمبراطوري الموغلة بــ «النوستاليجيا» الفارسية، وسعي ترامب لنماذج ومشاريع اقتصادية ناجحة كرؤية المملكة لعام 2030.

الخطأ الكبير الذي وقعت فيه طهران، معاداتها لجيرانها العرب، واستهدافهم بالصواريخ والمسيّرات، واعتبار أراضيهم من مملكتها التي يجب استعادتها مهما طال الزمن، ورأينا كيف تشدق بعض قادتها السياسيين والعسكريين باحتلالهم لأربع عواصم عربية، ورفضها المطلق لتسمية الخليج العربي، وتمسكها بتسميته الخليج الفارسي، إضافة إلى احتلالها الأحواز/ الأهواز وجزر، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى الإماراتية، ورفضها المطلق باستعادتها.

إن هذه السياسة الديماغوجية الإيرانية ووقوفها على حد السيف والنار، وإهمالها للشؤون الداخلية وما يطلبه المواطن الإيراني الذي يتضور جوعا بعد أن وصل الدولار الأمريكي للملايين من العملة الإيرانية، وتركيزها على دعم الميليشيات. لم تكن سياسة ناجحة بالقدر الذي يمكنها مجابهة الأخطار المحدقة، والسكوت على سياستها على مدار سبعة وأربعين عاماً هو بمثابة الاستثمار في الخلافات والاختلافات بالجانب الأمريكي والإسرائيلي، لا سيما أن المتضرر المواطن العربي.

طهران وفرّت للولايات المتحدة و«إسرائيل» جميع العناصر والعوامل، لشن الحرب عليها، لأن واشنطن وتل أبيب بحاجة إلى مثل هذه الحروب لإرسال رسالة إلى أعدائهم من المتربصين الذين يصنعون الأسلحة ويخزونها بمخازنهم، لأن ترك العادة يحدث ألماً كما يقولون في الأمثال، واشنطن التي تخشى من التقدم الاقتصادي الصيني الرهيب والمخيف، وتل أبيب تخشى من ترسانة حزب الله الصاروخية في لبنان، وأنصار الله في اليمن، وبالتالي فإن هذه الحرب مفيدة جداً لها للتخلص أو توجيه ضربة قاسمة لأعدائها.

المعركة أو الحرب الدائرة كما يقول الرئيس الأمريكي ترامب تسير وفق الخطط المعدة مسبقاً، وأحيانا تتجاوز الخطة لجهة الإنجاز، واختيار قائد يكون جسراً بين طهران الجديدة وواشنطن مسألة وقت. هذه المعركة لن ولم تنته حتى إسقاط النظام الإيراني، أو تهيئة الظروف المناسبة لانهياره، يعني ذلك التفرد الصهيو- أمريكي، مستمرا حتى استكمال الهدف، وبالتالي لا روسيا ولا الصين قادرتا على التحرك لمنع الحرب أو وقفها، لأن روسيا منشغلة بالحرب مع أوكرانيا وأوروبا من خلفها، ناهيك عن الاستنزاف الاقتصادي والبشري الذي ينخر في جسمها، والصين تبحث عن بدائل لفنزويلا وإيران من مصادر الطاقة لتشغيل مصانعها الضخمة.

أخطر ما يسود في هذه الأجواء الملبدة، غياب المؤسسات الإنسانية والقانونية، وتعطيل شبه كامل لمجلس الأمن، واختزالها بشخصيتي ترامب ونتنياهو، الأول هو رئيس مجلس السلام في قطاع غزة والثاني عضو! وكأن النظام العالمي الجديد يقوده هذا الثنائي المجرم، وتأكيد العلاقة العضوية والتحالف الصلب بوجه العالم، والحديث عن هذه العلاقة وإمكانية إحداث شقوق فيها صعبة المنال، والأخطر من ذلك الهدف التالي، أي ما بعد الحرب على إيران، هل ستتوقف الحرب عند هذه الحدود، أم في جعبة الثناني المزيد من الأهداف وإخافة العالم.

الولايات المتحدة الأمريكية وضعت بيضها في سلة «إسرائيل»، السيكوباتية الصهيونية تتقاطع مع الأهداف الأمريكية، وكيف تكون العلاقة فهي في أريحية مطلقة لجهة الاطمئنان عن تشغيل مصانع السلاح بكل أصنافه، وهيمنة شبه دائمة لمئات السنين، إلا إذا تطورت الأمور وباتت المواجهة مع أكثر من عدو وعودة الأمور لسياسة التحالفات وجدية المواجهات، وأعتقد أن هذا الأمر لن يطول لأن روسيا وسقف أهدافها في أوكرانيا لن تكون موضع ترحيب امريكي أوروبي وبالتالي فإن المواجهة قادمة لا محال وخيار ديفكون النووي ربما يلوح بالأفق.

مقالات ذات صلة