من سراييفو إلى جزيرة إبستين: فضائح ازدواجية المعايير الغربية

عبد الحميد صيام

حرير- صدعوا رؤوسنا بحكايات الحضارة الغربية وإبداعاتها وفلسفتها. نحن لا ننكر دور الثورة الصناعية والاكتشافات العلمية والتطورات التكنولوجية، ودورها في تسهيل حياة البشر. لكن تلك الاختراعات كرست أساسا لتعزيز الهيمنة الغربية، خلال نحو أربعمئة سنة من الاستعمار، والتدخلات الخارجية والهيمنة، واستعباد الشعوب ومأسسة نظام الرق وإبادة السكان الأصليين.

وسأركز على فلسفة ومبادئ وقيم وقوانين ما يسمى بالحضارة الغربية، التي تم تثبيتها عبر مجموعة وثائق واتفاقيات ومعاهدات وإعلانات وآليات دولية، تراقب مدى التزام البشرية بهذه المبادئ والقيم. ويقف على قمة هرم تلك المبادئ والقيم مسائل: حقوق الإنسان، المساواة، سيادة القانون، ضمان الحريات الأساسية (الرأي والتعبير، التجمع، الدين والمعتقد).

وقد أنشأت الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية آليات وأجهزة ومؤسسات عديدة مرتبطة بمعاهدات وأنظمة داخلية، ومواثيق تراقب مدى التزام الدول والأفراد بتلك المبادئ والقوانين. فمجلس الأمن الدولي مكلف بمراقبة الأمن والسلم الدوليين، ومنع استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، ومجلس حقوق الإنسان لمراقبة انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ترتكبها الدول، ومحكمة العدل الدولية لتقديم آراء قانونية لفض الخلافات بين الدول، والمحكمة الجنائية الدولية لمعاقبة منتهكي الجرائم الأربعة الكبرى (جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة وجريمة العدوان)، وهناك لجان عديدة، مكلفة بالمراقبة والتنبيه والتوجيه وفرض العقوبات إن لزم، مثل لجنة مكافحة كل أشكال التمييز ضد المرأة، لجنة حقوق الطفل، لجنة تصفية الاستعمار، لجنة مناهضة التمييز العنصري، لجنة حقوق السكان الأصليين، لجنة نزع السلاح وعشرات غيرها.

لقد تبين بشكل جليّ لا غموض فيه أن هذه القوانين والمبادئ لا تنطبق على الدول الغربية الكبرى. فلجان حقوق الإنسان ممتازة، إذا سلطت الضوء على انتهاكات النظام الإيراني، أما إذا اقتربت من الكيان الصهيوني فتصبح معادية للسامية. والمحكمة الجنائية الدولية رائعة وتقوم بدورها إذا أدانت الرئيس الروسي بوتين والرئيس السوداني عمر البشير والرئيس الليبي معمر القذافي، أما إذا أدانت مجرم الحرب نتنياهو فتقع تحت طائلة العقوبات الأمريكية وتتم إدانتها واتهامها بمعاداة السامية. رئيس وزراء بريطانيا يتصل بالمدعي العام كريم خان ويهدده. والعقوبات الاقتصادية تطبق على العراق وليبيا وكوبا وروسيا وإيران، أما إذا اقترب أحد من النظام الفاشي في تل أبيب، يصطف الغرب كله خلف الكيان ويبررون جرائمه بأنها دفاع عن النفس. وحرية الرأي والتعبير والتظاهر يجب الالتزام بها في إيران والعراق والسعودية وتركيا، أما إذا تعلق الأمر بالجامعات الأمريكية وحركات التضامن مع فلسطين في ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، فتلك انتهاكات للقانون لأنها معادية للسامية. هذه هي ممارسات الحضارة الغربية. وأود أن أمر على نموذجين كبيرين- قنص أطفال المسلمين في سراييفو وتصيد القاصرات وإرسالهن إلى جزيرة الشيطان جيفري إبستين.

في ظل حرب الإبادة التي شنها الصرب ضد مسلمي البوسنة، تفجرت مؤخرا جريمة مريعة أطلق عليها «رحلات الصيد البشري» في سراييفو. وقد مرت هذه الفضيحة المدوية دون كثير من الضجة، لأن مرتكبيها ليسوا مسلمين، بل من صلب الدولة التي تحتضن مقر البابوية الكاثوليكية في العالم. فقد كشفت تحقيقات استقصائية مؤكدة، أن هناك أثرياء غربيين، معظمهم من إيطاليا، كانوا يدفعون مبالغ طائلة تصل إلى 80 ألف جنيه إسترليني (104 آلاف دولار أمريكي) مقابل رحلات سياحية لقنص البشر، حيث كانوا يطلقون النار على المدنيين، بمن فيهم الأطفال، خلال فترة حصار سراييفو بين عامي 1992 و1996.

وتُتهم القيادات الصربية مثل كارجيك بالمشاركة المباشرة في هذه الفظائع التي ارتكبها متطوعو جيش جمهورية صرب البوسنة، واستهدفت الأطفال تحديدا وأودت بحياة أكثر من 10 آلاف شخص. وقيل لنا إن القضاء الإيطالي بدأ تحقيقا في قضية القناصين في ميلانو في 11 نوفمبر 2025، بحثا عن حقائق ظلت مجهولة ومدفونة في غياهب حرب البوسنة.

بدأ تحقيق ميلانو، برئاسة المدعي العام أليساندرو غوبيس، بعد أن قدم الصحافي والروائي، إيزيو غافاتزيني، بالتعاون مع المحاميين نيكولا بريجيدا والقاضي السابق غيدو سالفيني، شكوى قانونية مكونة من 17 صفحة بتهمة «القتل المتسم بالوحشية والدوافع الدنيئة» ضد مجموعات مزعومة من الإيطاليين، الذين سافروا إلى سراييفو للانضمام إلى رحلات القنص هذه.

ويعتقد الصحافي غافاتزيني، الذي سلّم جميع أدلته إلى النيابة العامة، لصحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية أن دعواه «تكشف شريحة من المجتمع تُخفي حقيقتها «لأننا نتحدث عن أثرياء ذوي سمعة طيبة، ورجال أعمال، دفعوا خلال حصار سراييفو ليتمكنوا من قتل مدنيين عُزّل ويدفنون جرائمهم تحت السجادة». كان القناصة ينتقلون جوا من إيطاليا إلى البوسنة خلال عطلة نهاية الأسبوع. يتم نشرهم في أماكن خاصة في مدينة سراييفو أثناء حصارها الطويل. وبعد تسديد الرسوم الباهظة يبدأ القناص بتسديد رصاصاته للإطاحة بشاب مسلم أو طفل، وكانت أسعار قنص الأطفال هي الأعلى سعرا، ثم الرجال فالنساء وأخيرا كبار السن. إنهم يبحثون عن إشباع رغبة بوهيمية متوحشة لاجتثاث أجيال من المسلمين. وقد أشار فيلم وثائقي من إخراج ميران زوبايتش عام 2022 تحت عنوان «سراييفو سفاري»، أن عددا من مواطني دول أخرى شاركوا في رحلات القنص هذه من بينهم أمريكيون وروس وسياح آخرون.

قاصرات جزيرة إبستين

ما زال العالم مندهشا لحجم المعلومات التي تتدفق يوميا من مراسلات إبستين، التي أفرج عن ثلاثة ملايين وثيقة فقط، لا تتعدى نصف حجم الوثائق التي بحوزة وزارة العدل. ملفّات هذه الفضيحة تضم آلاف أفلام الفيديو لرجال دولة ورؤساء وأصحاب مليارات، وكذلك الرسائل الإلكترونية والهاتفية والتسجيلات السرية، التي استخدمها إبستين لتوسيع هيمنته وتأثيره على هذه الشبكة النخبوية الكبيرة. وتبين أن تاجر الجنس الراحل والمدان والمشبوه والوسيط والناشط السياسي، كان على صلة بعدد كبير من النخب العالمية على جانبي الطيف السياسي – بما في ذلك إيلون ماسك، وبيتر ثيل، وإيهود باراك، وبيل غيتس، وستيف بانون، ولاري سامرز، وبيل كلينتون، وبالطبع دونالد ترامب وألان ديرشوتز. وفي بريطانيا ما زالت فضيحة أندرو تتفاقم، وبعد محاولة لإسكات الضحيّة عبر دفع مبلغ من المال، اضطرّت العائلة المالكة لتجريد أندرو من ألقابه وراتبه، وتم إخراجه من القصر الذي كان يسكنه بإيجار مخفّف، وسلطان أحمد بن سليم رئيس موانئ دبي، وتيري رود لارسن ممثل الأمم المتحدة في فلسطين ثم لبنان، ومهندس اتفاق أوسلو.

لم يكن إبستين مجرد معلم رياضيات انتقل بالصدفة إلى مركز النخبة السياسية والمالية، بل كان «واجهة اجتماعية لجهاز استخباراتي صمم للفساد والابتزاز والهيمنة والمساومة. ومع بدء انتشار فضائح إبستين، والتفاف الدائرة حوله، تحوّل وكر الدبابير الكبير هذا من المستفيدين والضالعين والمتورطين، إلى خطر يجب التخلّص منه. ما كان يجري في قصر إبستين في نيويورك، وفي جزيرة الشيطان في منطقة جزر العذراء، لا ينتمي إلى الإنسانية بل إلى سادية متوحشة قذرة منحطة، تعمل للهيمنة على العالم عن طريق الجنس والمال والمناصب والقتل. إن بعض ما نشر حول قتل القاصرات في الجزيرة وإدخالهن في حاوية تحت الأرض تلفظ محتوياتها في البحر لا يمكن للكلمات أن تلم بهذه الوضاعة. لذلك لا نتعجب عندما رأينا الطبقة السياسية المالية الغربية، دعاة الحضارة واحترام حقوق الإنسان، يصطفون إلى جانب الكيان الفاشي، الذي أعلن حرب الإبادة على غزة، واصفا الفلسطينيين بأنهم «حيوانات بشرية». هل من غرابة في ذلك بعد انكشاف جوهر ما يسمى بالحضارة الغربية، والآتي أعظم..

مقالات ذات صلة