فضائح إبستين… استراحة وسنعود

توفيق رباحي

حرير- بعد نشر نحو 3.5 مليون من أصل 6 ملايين وثيقة، قررت وزارة العدل الأمريكية التوقف عن كشف المزيد من الوثائق المتعلقة بالمجرم جيفري إبستين.

المتورطون في هذه الجريمة العابرة للقارات والمتعددة الأبعاد كثر وأنواع، انفضح منهم من انفضح، ونجا مَن نجا وكُتب له عمر جديد.

بقرار وزيرة العدل الأمريكية، بام بوندي، لم يبق هناك الكثير ذو جدوى يُنتظر. مرت العاصفة مثل إعصار من تلك الأعاصير التي تضرب السواحل الأمريكية فتترك وراءها خسائر وناجين بطبيعة الحال.

لكن رغم أن ما نُشر هو نصف المخزون تقريبا، سيحتاج من أيّ مهتم سنوات طويلة لفحصه كاملا، هذا إنْ استطاع.

منذ البداية كان الخوف من أمرين: الأول أن يصدر قرار من القائمين على التسريبات بوقفها في أيّ لحظة عندما تستوفي أغراضهم أو تنتفي حاجتهم إليها. والثاني أن يقع العالم في فخ التطبيع مع الفضيحة وينتهي بها الأمر مجرد قصص للتسلية، لأن العقل البشري بطبعه يستسهل التطبيع.

منذ البداية أيضا كان واضحا أن الذين قرروا البدء بتسريب الوثائق والمعلومات عن الفضيحة لم يفعلوا حبا في الحقيقة والإنصاف. كانت غايتهم التخلص من الموضوع عبر تسريب ما يناسبهم ويناسب أسيادهم، ومن ثمة تسجيل موقف ورفع العتب عن أنفسهم. كما كان هدفهم إصابة الناس بالصدمة بمعلومات فاضحة عن تورط أشخاص كانوا يظهرون للعالم فوق أيّ شبهة أخلاقية.. أبناء ملوك، سياسيون كبار، شخصيات علمية وفنية وثقافية، رؤساء جامعات مرموقة وغير ذلك. كأن الهدف كان: انظروا، كلهم قذرون ولا أحد أفضل من الآخر.

مثلما طرح قرار البدء بتسريب الوثائق أسئلة كثيرة، يطرح التوقف عن نشرها أسئلة أكثر.

من هذه الأسئلة، أحدها لماذا غاب (بالأحرى غُيِّب) اسم رئيس أكبر دولة في العالم من الوثائق التي جرى تسريبها؟ هل تساءل أحد كيف يتورط الكل، حتى الذين أوشك العالم على رفعهم إلى مرتبة القديسين (بيل غيتس على سبيل المثال لا الحصر) ولا يتورط شخص اشتهر بتعطشه للنساء انتهى به المطاف رئيسا لأقوى دولة؟

ومن الأسئلة أيضا.. هل هي صدفة ألا يوجد في الوثائق التي سُرّبت اسم مسؤول إسرائيلي واحد عدا رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك؟ حتى هذا تُظهره التسريبات أقرب إلى سمسار أو راعٍ منه إلى مذنب أو ساعٍ وراء شهوة.

من المخاوف الأخرى التي رافقت تسريب وثائق الفضيحة، أن تكون هناك رغبة مقصودة في تعويم الموضوع وإغراقه في التفاصيل.. من فعل ماذا ومن راسل من ليقول له ماذا. جرائم لا يصدّقها عقل إنسان ارتكبتها صفوة هذا العالم، تتحوّل شيئا فشيئا إلى ما يشبه مسلسلا تلفزيونيا مثيرا موغلا في التفاصيل غير الضرورية، عن عمد ممن يمسكون بخيوطه في الخفاء.

اتضح مع قرار وقف النشر، أن الغاية لم تكن كشف الحقيقة، بل إغراق الوعي وإلهاء العالم بالتفاصيل والتشويق حتى يتعود، ثم يمل، فينسى فينجو كبار المجرمين. القصة، رغم مأساويتها، تتوفر على كل البهارات التي تجعل التفاصيل تتغلب على الباقي.

لا يمكن أن يكون هذا العمل النفسي غير مقصود وغير مدروس.

وقد بدأ العالم فعلا يتآلف مع الموضوع لأن المعلومات تتشابه والوثائق أيضا. أصبح الرهان أكثر على الأسماء الجديدة التي يُرفع عنها الستار في قوائم العار.

الآن وقد أخذ الموضوع هذا المنحى، تبرز تساؤلات أخرى عن اللغز إبستين ومن أوجده وسهّل له جرائمه وحماه بعدها.

ممكن ووارد أن ينجح معلم رياضيات مغمور، لا شيء في شكله يجذب امرأة أو رجل، في أن يمتلك تلك القوة الهائلة على سحب أقوى ذكور هذا العالم من أذانهم إلى مستنقع الرذيلة والانتحار.

قد يكون هذا المعلم داهية تمتلك شخصيته من القدرات ما لا يكشفه مظهره الخارجي. لكن من المستحيل أن ينجح في تنظيم جرائمه وتوثيقها بتلك الدقة ووضوح الهدف لو لم تكن وراءه ماكينة استثنائية.

فأثناء التخطيط للإيقاع بـ”أصدقائه” ثم توثيق وقوعهم نصا وصورة، وأرشفة كل شيء بحرفية عالية، كان إبستين، ومن ورائه الماكينة العبقرية، يضعان نصب أعينهما هذا اليوم وهذه الفضائح التي دمرت كيانات ومؤسسات وشخصيات، وأصابت شعوب العالم بالذهول.

إنها منظومة كاملة، أخطبوط غامض يعيش في الغرف المظلمة ليشكل خطرا على استقرار العالم وتوازناته.

صدقت الأمم المتحدة عندما وصفتها بأنها مؤسسة إجرامية دولية.

كانت الماكينة ترى هذا اليوم قريبا بينما لم يفكر المتورطون في الفضائح فيه أصلا، إما لغبائهم أو لأن شهواتهم وطراوة أجساد ضحاياهم القاصرات أعمتهم.

تحققت المخاوف وضاعت الحقيقة والعدالة. سيبقى العالم على جوعه والضحايا فريسة للشعور بالظلم والإذلال. 3 عقود كاملة مرت منذ أول شكوى ضد إبستين (1996)، ومرت 18 سنة، منذ أول إدانة له سنة 2008، من الجهود المستمرة لحمايته والتغطية على جرائمه.

في كليات القانون يُدرّس الطلبة عن القضايا التي استغرق القضاة وقتا وجهدا استثنائيَين لفك ألغازها وكشف حقيقتها. في قضية إبستين سيحفظ العالم ما بذلت “المؤسسة الإجرامية الدولية” من وقت وجهد لإبقاء الحقيقة غائبة والعدالة موؤودة.

صدفة عجيبة ومن ضروب الخيال: من حيث يدري أو لا يدري، أكمل إبستين وهو في قبره (إن كان فعلا مات. من حقي أن أشك فلا يجادلني أحد)، ما بدأته غزة من تعرية لهذا العالم الدنيء.

لكن مثلما عجزت الجهود الكبيرة والأموال الكثيرة عن طمس حقيقة غزة ووقف تيارها الإنساني الجارف في الغرب، لسبب بسيط هو أنها قضية إنسانية عادلة، ستفشل جهود إبقاء حقيقة “المؤسسة الإجرامية الدولية” موؤودة إلى الأبد، لسبب بسيط آخر، هو أن التفاصيل دخلت عالم الإنترنت. وخبراء السيبرانية يحذرون دائما من أن الشيء الذي يدخل عالم الإنترنت يخرج بالضرورة من بين يديك وتفقد السيطرة عليه. مهما كنت قويا وذكيا سيعود يوما ليطاردك ويفضحك.

هي إذاً مجرد استراحة، فلا يبتهج الفرحون ولا يحزن المحبطون ولو طالت الاستراحة.

مقالات ذات صلة