
هل ستحسم منازلة أمريكا وإيران بالنقاط؟
جمال تقي
حرير- لا يقين مع سياسات ترامب وخطواته، وهو المغرم بعقيدة الصفقات الجيدة، التي لا تعني له سوى المزيد من الأرباح، وعلى طريقة رابح خاسر، أي ليس التقابل في الأخذ والعطاء، ولأن ذلك لا يستقيم مع طبيعته الابتزازية، فهو يلجأ دوما لسلاح الضغوط على الطرف الآخر للقبول بشروطه، لكن ليست كل الأطراف ترضخ لضغوطه، خاصة إذا كانت تلك الشروط تعني إفلاس المقابل!
وعليه لا مفاوضات، مسقط ولا جنيف ستقنعه بنتائجها، لاسيما وأن لنتنياهو، شريكه المستتر في الصفقة المنتظرة، مصلحة كبرى بفشل المفاوضات، وتوجيه ضربة مركزة، إما تؤدي لرضوخ النظام الإيراني لكامل الشروط المطلوبة، من صفر تخصيب مع تفكيك أجهزة الطرد المركزي، وتسليم اليورانيوم المخصب بتركيز 60% إلى عهدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتفكيك البرنامج الصاروخي البالستي، وحصره بمديات لا تتعدى 300 – 500 كيلومتر، أو مضاعفتها لتجعله يحتضر، ليموت، ولو بعد حين.
لكن حسم المواجهات غير المتناظرة، لا يتم، بالضرورة عبر الضربات القاضية الخاطفة والمباغتة، ولا حتى بحروب الصدمة والترويع ، وحرب الـ12 يوما التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران، شاهدة حية لقدرة الطرف المتلقي على امتصاص الصدمات، لاسيما وأنها جاءت بعد سلسلة طويلة من العقوبات الاقتصادية، التي انهكت الداخل الإيراني، وزادت من ضعف مناعة النظام الداخلية، فكيف والحال إذا كان لطرفي الصراع خصائص ردع مباشرة، وغير مباشرة، قد تُحيد الكثير من ميزات التفوق لصالح الطرف الأكثر استعدادا للمناورة والمطاولة، وبالتالي الأكثر قدرة على استنزاف المقابل، ليس فقط عسكريا وإنما استراتيجيا؟ خاصة أن هناك ثمة مراهنة على مضاعفات المواجهة على المحيطين بها، وهي تشكل نقطة ضعف في حسابات المتفوق، الذي يلجأ عادة لابتزاز الخصم، من خلال استعراض القوة والتمهيد لتسديداته بسيل من الإحاطات المستفزة، درجة مطالبته بالاستسلام لشروطه، ثم باستخدام الضغوط القصوى للنيل من مناعته، وأخيرا تخييره بين العصا والجزرة.
ترامب يفاوض إيران سدا للذرائع، تحينا لفرصة الانقضاض الأنسب، ومع استكمال الاستعدادات اللوجستية وتقليب الأمر مع إسرائيل، التي قد يترك لها خيار المباغتة بسيناريو شبيه بعملية فنزويلا، وهو العارف مقدما أن إيران قد تتراجع عن بعض خطوطها الحمر، مقابل رفع جزئي للعقوبات، وقد تحاول إغراء واشنطن بفتح الأبواب لاستثماراتها، لكنها لا يمكن أن تتنازل عن أسلحة ردعها المباشرة، سلاحها الصاروخي وبمديات تنال من إسرائيل، لأنها تدرك دونها، ستكون مستباحة كما لبنان اليوم، وكذلك لا يمكن لها التخلي تماما عن التخصيب، وقد تتفق على أدنى مستوى له، وقد تخفض اعداد أجهزة الطرد المركزي، وقد توصي بتجميد أنشطة فيلق القدس، وتطالب أنصارها في لبنان واليمن والعراق بكف اليد عن أي استفزاز، والاندماج بمحيطها، لكنها لا يمكن أن تسلم سلاح ردعها الفاعل، برنامجها الصاروخي والطيران المسير، فهما الضمانة الوحيدة للتصدي لهجمات القوى المتفوقة نوعيا، وبالتالي رفع تكلفة العدوان وجعله يجنح للحلول الوسط. حسب وزير خارجية إيران عباس عراقجي فإن أمريكا حاولت تنفيذ المخطط ذاته، الذي شهدته فنزويلا في إيران، أثناء حرب الـ12 يوما، لكنها فشلت في تحقيق مآربها، وأنها قد تكرر المحاولة لكنها ستفشل مجددا، فإيران على أهبة الاستعداد للدفاع والهجوم، كما هي مستعدة لمفاوضات جادة وغير مشروطة. أما ترامب فهو لم يخف نيته في توجيه ضربة عسكرية قاصمة لمنع إيران من امتلاك القدرة النووية، وتطوير برامجها الصاروخية، ويواصل تصريحاته التحذيرية لحكام إيران بالتزامن مع تحشيد عسكري غير مألوف في بحر العرب، ومدخل الخليج، حاملتي طائرات مع عشرات السفن، والمدمرات، مع استعدادات أمريكية إسرائيلية في خليج إيلات. وجولات دبلوماسية تحت رحمة البنادق بهدف عقد صفقة تلبي جوهر شروطه. كانت الانطباعات عن جولة مسقط من المفاوضات غير المباشرة بين عراقجي وثنائي ويتكوف ـ كوشنر، إيجابية كمدخل قابل للتواصل والاختراق، ويبدو ان جولة جنيف أكثر انفتاحا، خاصة أن الوفد المرافق لعراقجي مطعم بخبراء وفنيين نوويين واقتصاديين، مما يعزز التكهنات القائلة بمرونة إيرانية عالية نوويا، مصحوبة بجزرة الانفتاح على الاستثمار الأمريكي.
وكان دفع دول المنطقة للحل الدبلوماسي لا يزعج ترامب بل يجعله متسقا بعض الشيء مع ما يدعيه من أنه داعية سلام لا حروب، لكنه يزعج نتنياهو الذي يعتبر ضرب إيران ضمانة لنصره في معركته الانتخابية المقبلة، خلافا لترامب الذي لا يحتمل وضعه الداخلي، وهو المقبل على انتخابات نصفية للكونغرس، أي تراجع جديد في شعبيته، يستثمره الحزب الديمقراطي للفوز بأكثرية المقاعد في الكونغرس، وهذا ما يجعل منه بطة عرجاء، طيلة الفترة المتبقية من ولايته، وسيكون هو ذاته من استبدل شعار أمريكا أولا، بإسرائيل أولا، أما إذا كانت الضربة خاطفة، ونتائجها باهرة كضربة فنزويلا، فسيكون ترامب متفوقا على نفسه، وهذا ما يصوره حلفاء نتنياهو، لترامب في حزبه، وفي جماعات الضغط، التي تنشط بكثافة هذه الأيام، فهل يستسهل ترامب الخوض بالضربات القاضية، ويتجنب حسم المنازلة بالنقاط؟
أما تسويق رضا بهلوي في واشنطن، وتل أبيب، وميونخ، فهو يفضح نفاق وخداع مقولة دعم احتجاجات دعاة التغييرالحقيقي في إيران من قبل الدول الغربية، التي قد تختلف مع بعضها في أي شيء آخر إلا دعم إسرائيل ظالمة أو مظلومة!
إيران دولة ممتدة في الجغرافية والتاريخ، وشعبها عصي وعنيد وصاحب ذاكرة متقدة وبال طويل، كطول بال ودقة حائك السجاد، والشعب الإيراني فخور بتراثه، ما قبل وبعد الإسلام، وفخور بنضالاته الثورية لمقاومة الطغاة المحليين والغزاة والطامعين بثروات إيران وخيراتها، وذاكرته المعاصرة ما زالت تبجل ملحمة محمد مصدق 1951-1953، ورياديته في مقارعة التبعية، وتأميمه لشركات النفط الاحتكارية في إيران، وترسيخ الحياة الدستورية بالضد من استبداد حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وكان مصدق أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ إيران توج الحراك الشعبي الجامع لتحرير إيران وإقامة حكم دستوري رشيد يحترم إرادة الشعب، وهذا ما دفع الشاه وبالتنسيق مع البريطانيين والأمريكيين لتدبير انقلاب عسكري على حكومته وفق عملية استخباراتية سرية سميت «أجاكس»، واتضح أن الامريكيين هم من اطاحوا بحكومة منتخبة ديمقراطيا لمصلحة الشاه المستبد، وبعد قيام الثورة الكبرى 1978-1979 ونجاحها في استئصال الحكم الطاغوتي للشاه بتضحيات جسيمة، انفتحت أمام البلاد آفاق رحبة لإقامة جمهورية ديمقراطية حقيقية تستكمل مهمات ثورة مصدق، لكنها تعثرت، بعد أن تمكن الخميني وبطانته من التفرد بها ووضعها تحت وصاية الولي الفقيه، وبذلك تم إقصاء قوى رئيسية في الثورة، وكانت عقيدة الخميني الداعية لتصدير الثورة وكأنها احتكار مذهبي، خطيئته التي لا تغتفر، ومن يومها والجمهورية الإسلامية محكومة بحتمية زوالها، بثورة أخرى تسترد مضامين الثورة المصدقية، فالخميني حارب التبعية لكنه أسس لاستبداد آخر أكثر قتامة من استبداد الشاه، ومع الوقت تمزق برقع القداسة وتجلت المفسدة التي سببها احتكار ورثة الخميني السلطة، ورغم التشدق العملي بمقارعة الاستكبار العالمي ثبت عمليا، أن النظام يتغذى على تداعيات هذا التشدق، وهكذا تعود مجددا دورة طبائع الاستبداد ومصارع العباد شاخصة، ومن ميدان آزادي مرة اخرى، لا من حاملات الطائرات الأمريكية التي تريد إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء!



