في وداع أحمد عبيدات

ياسر أبو هلالة

حرير- نعته أسرته بلا ألقاب، مع أنه حصد كثيراً منها (رئيساً للوزراء، وزيراً للداخلية، مديراً للمخابرات، رئيساً للجنة الميثاق الوطني، ورئيساً للجبهة الوطنية للإصلاح…). وعبّرت جنازته، التي حُمِلت على عربة مدفع، عن صورة جميلة لبلادٍ، على كثرة خلافاتها، لا تنقطع أواصرها، ويظلّ فيها للمعارض مكانته واحترامه، ولا تغتاله سهام التعريض والتحريض والتخوين. وعبّر الرحيل عن لحظة إجماع قلّ أن تحظى بها شخصية عامة، تجلّى فيها رمزاً أردنياً وطنياً عابراً للجغرافيا والعشيرة والمواقف السياسية.

تعرّفتُ في بداية وعيي السياسي في أواخر سنوات المدرسة على الراحل الكبير أحمد عبيدات. في عام 1984 عندما تولّى رئاسة الحكومة الأردنية. رافقتُ والدتي للمشاركة في الانتخابات التكميلية بعد استئناف عمل مجلس النواب. كانت المرّة الأولى التي تشارك فيها المرأة الأردنية في الانتخابات، وكانت من الانتخابات النزيهة القليلة التي جرت من دون أيّ تدخّل من الدولة. كان ذلك مفاجأة، ليس لأن البلاد كانت في حال طوارئ وأحكام عرفية فحسب، بل أيضاً لأن رئيس الوزراء آتٍ من خلفية أمنية مديراً للمخابرات ووزيراً للداخلية. وعلى الرغم من الأحكام العرفية وقتها، غصّت البلاد باللافتات السياسية، وفاز المُرشَّحون المُسيَّسون. فاز من انتخبته والدتي، ليث شبيلات رحمه الله، نائباً عن عمّان إسلامياً مستقلّاً، وعن الطفيلة فاز عبد الله العكايلة من الإخوان المسلمين، وعن الكرك فاز البعثي رياض النوايسة. خسر المُرشَّحون الموالون، وفاز المعارضون. وكان في مجلس النواب بقايا معارضة مثل يوسف العظم وحافظ عبد النبي النتشة من “الإخوان”.

وعندما انتُقد أداء المخابرات في مجلس النواب في عهده (وهو رئيس وزراء أقل من سنتين ومدير مخابرات لثماني سنوات) لم يتهم النواب ويزايد عليهم، بل قدّم مرافعة تشكّل وثيقة ما زالت صالحة بشأن العلاقة بين الأمن والديمقراطية. طالب يومها بأن تشكل مجالس النواب في الدولة المحترمة لجنة للأمن والاستخبارات في المجلس. طبعاً لا ينظر إلى مرحلة الأحكام العرفية باعتبارها نموذجاً نطالب بعودته؛ بل ينظر إلى تلك المرحلة بنقدية، مع أنه كان من نجومها. ويُساء إلى الراحل، بحسن نية، عندما يُعامل بمثالية؛ فقد كان صادقاً مع نفسه، مراجِعاً ولوّاماً لها. أدار المخابرات ثماني سنوات في عزّ الأحكام العرفية، وهي فترة شهدت (بحسب تقارير حقوقية دولية) انتهاكات لحقوق الإنسان، تماماً كما حافظ على أمن البلاد ونظامها، ومأسس عمل الدائرة وطوّره.

أجاب أحمد عبيدات في ذلك العام (1984) عن الأسئلة الصعبة عملياً، من دون ثرثرة واجتماعات وادّعاءات وندوات ومنتديات، لا ورش عمل، ولا تمويل غربياً، ولا ضغوط غربية. أدرك أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة العربية لا يجوز أن يمنع الأردنيين من ممارسة حقّهم في التمثيل النيابي. أعاد مجلس النواب إلى العمل كما كان قبل الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية، وجرت انتخابات تكميلية نزيهة في الأردن، ومُلئت مقاعد الضفة الغربية، من خلال تعديل قانون الانتخابات، بما يسمح لمجلس النواب بانتخابهم في حالة تعذّر الانتخابات بسبب الاحتلال. كما أجاب عملياً عن سؤال العلاقة الأردنية الفلسطينية؛ فوحدة الضفَّتَين لا تُلغي الهُويّة الفلسطينية ولا الأردنية بقدر ما ترسّخهما نقيضاً للصهيونية ومشاريعها السياسية. ومع أن عبيدات اكتوى بنار فتنة أحداث أيلول (1970 – 1971) واختُطف من المنظمات الفلسطينية، فإن تلك المواجهة لم تعكّر صفو موقفه من قضية فلسطين. خاض حرباً حقيقية ضدّ الفساد في ضريبة الدخل وغيرها، وقبل أن يحارب الفساد قدّم نموذجاً في النزاهة والاستقامة.

لم تعمّر حكومة عبيدات طويلاً، ولم تكمل عامين، مع أنها ضمّت كفاءات تصدّرت لاحقاً مناصب أعلى. لم تطل غيبة أبو ثامر عن الحياة العامة، فعاد بعد أحداث معان في 1989 رئيساً للجنة الميثاق الوطني. وكما أجاب عملياً عن سؤال الديمقراطية في انتخابات 1984، أجاب من خلال لجنة الميثاق الوطني نظرياً عن الأسئلة الصعبة التي تواجه الأردن. وكان الميثاق وثيقة إجماع سياسي عبّرت عن التقاء الدولة والمجتمع على الدستور. قاد حواراتٍ مع قادة الأحزاب الذين كانوا معتقلين يوماً في زنازين المخابرات، لكنّهم وثقوا به رئيساً للجنة، وهو وثق بهم أعضاء فيها. ولا يزال الميثاق يقدّم أفضل تفسير للدستور وتطبيقاً عملياً له، سواء فيما يخصّ الديمقراطية أو العلاقة مع الإسلام والعلاقة الأردنية الفلسطينية، وغيرها من الإشكاليات. في الميثاق الوطني التقى الخصوم، سواء إسلاميين أو قوميين أو رجال دولة، وتوافقوا على ما يجمعهم، وقدّموا توصياتٍ وأفكاراً لم يُؤخذ بها من بعدُ.

ظلّ يُنظر إلى أحمد عبيدات رجلَ الدولة في المعارضة، ورجل المعارضة في الدولة، وكان مقبولاً من الجميع، لكن لحظة الفراق مع الدولة حانت بعد توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، فاستقال يومها من مجلس الأعيان، مجلس الملك الخاص، في خطابٍ حادّ ضدّ المعاهدة (1994). ومنذ ذلك اليوم لم يعد في رحاب الدولة، وظلّ يُحسب على المعارضة، لكنّه في الحالين احتفظ بمبدئية المعارض ورصانة رجل الدولة.

عرفتُه لاحقاً بشكل شخصي في عملي الصحافي، وفي حوارات نادي مدريد عام 2007، وهو نادٍ أسّسه ملك إسبانيا لتشجيع التحوّل الديمقراطي على مستوى العالم، وضمّ قادة ديمقراطيين في مرحلة التحوّل الديمقراطي. في الجلسات الخاصّة لم يكن حديثه يختلف عمّا يتحدّث به في المحاضرات العامة؛ كان مؤمناً بما يقول، يمتلك الجرأة والنزاهة.

 

مقالات ذات صلة