
نشر وثائق إبستين… هل كان الدافع أخلاقيا أم سياسيا؟
إحسان الفقيه
حرير- لا تزال تداعيات فضيحة وثائق جيفري إبستين تتعاظم يوما بعد يوم، ككرة الثلج، وكل وقت يمر تتفتق عنه زاوية جديدة للنظر إلى هذه القضية المزلزلة، وتساؤلات تتزاحم في أذهان الجماهير عن هذا الحدث الفارق، الذي كشف بنْية العلاقات الحاكمة لعالم السلطة والنفوذ والمال في الدول الغربية.
ومن بين هذه التساؤلات التي تحتل مساحة واسعة في أذهان الجماهير: لماذا تم الكشف الآن عن هذه الفضيحة، بعد سنوات من الصمت والتسويات والتجاهل المتعمد لشهادات الضحايا؟ وهل جاء النشر ليعبر عن صحوة أخلاقية وتعبيرا عن انتصار العدالة؟ أم أنه تم بموجب ضرورة مُلجِئة فرضتها الوقائع بما يمكن أن نسميه، الإفراج القسري؟
ولكن يلزم قبل الإجابة عن هذا السؤال، البحث في دواعي التكتم والتعتيم والصمت عن هذه القضية، ومحاولة إماتتها، فلم يكن تأخير الكشف عنها ناتجا عن التعقيدات البيروقراطية، وبطء الإجراءات القانونية، بل كانت تُعامل هذه القضية من لحظات وجودها الأولى باعتبارها مواد شديدة الحساسية، تمس توازنات السلطة وشبكات النفوذ وصورة النظام السياسي.
لم تكن الوثائق تهدد أفرادا، بقدر ما كانت تهدد بنية النفوذ، وتفتح نافذة على منظومة كاملة من العلاقات المشبوهة بين السلطة والمال والإعلام والأمن، ما يجعل الكشف عنها يعرض المنظومة للاهتزاز على الأقل، فجيفري إبستين ليس مجرد رجل منحرف، بل حلقة وصل بين عوالم متداخلة.
نعود إلى صلب الموضوع، وهو إجابة التساؤلات حول دوافع النظام إلى الكشف الاضطراري عن الوثائق، وهنا سوف نخالف المألوف ونصدّر هذه السطور بالنتيجة قبل حيثياتها، فما جرى ليس خيارا طوعيا نابعا من رغبة في الشفافية، بل لأن كلفة الإخفاء والتعتيم أصبحت أعلى من كلفة الكشف والنشر، وتم الكشف عن المستور ليس لإرادة الحقيقة، بل لخشية تبعات استمرار الكتمان.
فعلى مدى سنوات، استخدمت المؤسسات القضائية أدوات التأجيل والتجزئة والسرية، والحجة الظاهرة كانت حماية الخصوصيات والإجراءات القانونية، لكن لم يعد هذا الإجراء مناسبا مع تراكم الدعاوى المدنية، وإصرار الضحايا على ملاحقة المتهمين، وقيام المعارضين لإدارة ترامب بالضغط بهذا الاتجاه، إضافة إلى الضغوط التي مارستها بعض وسائل الإعلام، ومن ثم تم الكشف عن بعض، وليس كل هذه الوثائق.
مثل هذه الفضائح بهذا الحجم كانت في السابق قابلة للاحتواء، بسبب تماسك السرديات الرسمية وضعف القدرة الجماهيرية على الضغط، لكن مع التحولات الطارئة على الرأي العام، وكسر احتكار المعلومات عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وتنامي جرأة الصحافة الاستقصائية، تغير المشهد بشكل جذري، وأعيد الاعتبار لشهادات الأفراد، ولم يعد من السهل على النظام إغلاق الملفات الشائكة، من دون حسمها، خاصة أن ثقة الجماهير في النخب السياسية والاقتصادية قد تآكل بشكل واضح، ما جعل الصمت المطبق حول مثل هذه القضايا دليل إدانة، وكل يوم يمر صامتا عنها يضعف الرواية الرسمية، ويضاعف الشكوك حولها.
لقد اضطرت المنظومة في أمريكا إلى النشر المنظّم، ولو جاء متأخرا، من باب محاولة استعادة السيطرة على السرد، لأن هذا المسلك أوثق وأحكم من أي تسريب عشوائي، لا يمكن التحكم في تداعياته. لذا يمكن القول إن المنظومة، قد سمحت بهذا النشر الاضطراري انطلاقا من مفهوم إدارة الفضيحة للحد من قدرتها التفجيرية، ويتجلى ذلك في الصيغة اللغوية الحذرة التي جرت وفق أطر قانونية دقيقة، وبعد طول زمن من التدقيق القانوني، وبصياغة تترك مساحات للتأويل وليس للإدانة القاطعة.
لقد رأت الإدارة أن هذا هو التوقيت الأمثل للإفراج عن الوثائق بعد فترة طويلة من التأخير، وبنت هذه الرؤية على عدة عوامل، أبرزها ذلك الانتحار – المشوب بشبهة جنائية – للمتهم الرئيسي وهو جيفري إبستين، كما أنه تقادمت فيها بعض الوقائع القانونية، وأصبحت المحاسبة الجنائية شبه مستحيلة، إضافة إلى أن الفتح الجزئي لهذا الملف سابقا يمهد للرأي العام تفاديا لصدمة نشر الحقيقة دفعة واحدة. ما جرى من كشف هذه الوثائق ليس تقدما في العدالة وليس طفرة أخلاقية، وإنما هو تغيّر في السياق، سواء فيما يتعلق بخريطة التحالفات أو دوائر النفوذ أو قوة الضغط الجماهيري.
هذه القضية تعتبر لحظة فارقة في المسار الأخلاقي للسياسة الأمريكية والداخل الأمريكي، فإن جرى التعامل معها بحزم وصرامة، فسوف تكون بداية ترسيخ لحقيقة أنه ليس هناك منطقة آمنة للنخب، أما في حال غض البصر والإعراض الذي يوصي به ترامب شعبه، فإن هذا الانحطاط الأخلاقي للمال والسلطة والنفوذ لن يتوقف عند هذه المحطة. ولعل أصداء هذه القضية كذلك تكون لافتة لانتباه وحذر النخب العربية، في أنه ليس هناك مِن أحد من ذوي النفوذ والسلطة والثراء يقف في منطقة آمنة، وأن العدالة لا محالة سوف تكسر حاجز الصمت.



