
أي دور مسموح للجنة إدارة غزّة؟
لميس أندوني
حرير- ينشغل فلسطينيون كثيرون بمناقشة دور اللجنة الوطنية لإدارة غزة. وهذا طبيعي، فالجميع متلهف إلى إعادة الحياة لأهل غزّة، وإن استمرت الحرب الإسرائيلية ضد القطاع المنكوب. ولكن هناك معضلة حقيقية؛ إذ كيف يمكن أن يكون هناك دورٌ حقيقيٌّ للجنة تحت إشراف المجلس الاستعماري الذي يسمى مجلس “سلام”، ويوجد ما تُسمى قوة استقرار دولية، تحت إمرة المجلس المذكور، وخضوع قطاع غزّة تحت الاحتلال الإسرائيلي؟
السؤال يجيب عن نفسه؛ فالحكام الحقيقيون هم المجلس وإسرائيل، ولكن أميركا وإسرائيل تحتاجان، في هذه المرحلة، إلى جسم فلسطيني، يعرف القطاع جيداً وله مصداقية بين أهله، سواء من تمكن من البقاء أو الذين جرى تهجيرهم هرباً من حرب الإبادة الصهيونية المستمرّة ضدهم، ولكن ليس له أي صفة تمثيلية سياسية في الداخل أو الخارج، أي لجنة منزوعة الصفة الوطنية السياسية.
لذا، يراد منه فصل قراراته عن حركة حماس والسلطة الفلسطينية، خطوة أولية، حتى يتم فصله عن تشكيل فلسطيني وطني، وحصره في مهام إدارة السكان تحت إمرة المجلس وإسرائيل. هذا ما يريده الأميركيون والإسرائيليون، ولا يتعلق ذلك بما تريده اللجنة أو تطمح إليه، وهي التي لا نشكك في وطنية الأسماء المشاركة فها ولا في نزاهة أيٍّ منهم. ولكن تركيبة ما يسمّى مجلس “السلام” تحت قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعضوية مستثمرين عقاريين من داخل الإدارة الأميركية وخارجها، وشخصيات سياسية وعسكرية من المستفيدين من حروب أميركا وغزواتها السابقة، وكلهم معروفون إما بصهيونيتهم العلنية وإما بتأييدهم إسرائيل، لا يدع مجالاً لدور وطني تمثيلي للّجنة الوطنية لإدارة غزّة.
صحيح أن دورها ليس تمثيل الشعب الفلسطيني، فهي جاءت بتوافق بين الفصائل والسلطة الفلسطينية وحركة حماس، أي إن المرجعية المفترضة هي كل من منظّمة التحرير و”حماس”، لكن أميركا وإسرائيل ستعملان على تحجيم اللجنة ونزع أي صفة وطنية بالمعنى السياسي الحقوقي عنها، فالمطلوب إنشاء لجان فلسطينية تنفيذية لتدير أمر السكان تحت سيطرة المجلس وإسرائيل حالياً، وإسرائيل وشكل من أشكال الوجود الأميركي مستبقلاً.
قد يتهكم كثيرون بالتعليق أن الفلسطينيين لا يريدون السلطة أو “حماس”، لكن هذا تفكير آنيٌّ وضيق، فالقصة عند كل من أميركا وإسرائيل ليست “حماس” أو السلطة بشكل خاص، بل قطع الطريق على ظهور أي جسم تمثيلي يختاره أو يؤسّسه الفلسطينيون والاعتراف به، أكان إعادة منظمة التحرير أم محاولة إعادة بناء حركة وطنية فلسطينية تمثل جميع الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية والتاريخية، فالمسألة عند الأميركيين والإسرائيليين هي القضاء على فكرة تمثيل وطني جامع للفلسطينيين وإنشاء لجان محلية، تبدأ لجاناً إداريةً ذات مصداقية وطنية وتُقلص إلى لجان تسهيل السيطرة على السكان في كل ما يتبقى من مناطق ومدن وقرى في الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار نظام أبارتهايد إسرائيلي يفتت الشعب الفلسطيني على أرضه، ومن ثم يفتت هويته وحقوقه.
لا يعني هذا أن هذه الخطط ستنجح، وإنما هو يضع اللجنة الوطنية لإدارة غزّة أمام تحديات أكبر من تحدّي إعادة إعمار غزّة، وهو تحدٍّ مهول، لكن ما تريده إسرائيل وأميركا من هذه اللجنة سيضعها في عين عاصفة هوجاء، ولا أقول ذلك من قبيل التهويل، فالمتابع لمراكز البحث الصهيونية، والقريبة من لوبيات صناعة الأسلحة، يجد أن العمل جارٍ على وضع شروط وخطوات وإجراءات تعزل اللجنة تدريجيّاً عن أي دور سياسي أو صلة سياسية بالداخل والخارج، فهذا ضروري لتفكيك الجسم السياسي الفلسطيني، بحيث لا يمكن ترميمه، إذ لا يمكن تتفيذ خطة الضم التدريجي في الضفة الغربية وتحويل غزّة إلى مشروع عقاري لمجموعة من أثرى أثرياء العالم المقرّبين من ترامب، وتحويل سكان غزّة إلى عمالة رخيصة بدون القضاء على أي صلة بين القطاع وأي شكل تمثيلي للشعب الفلسطيني، أكان ضعيفاً كمنظمة التحرير أم التجمعات الفلسطينية في الخارج، إذ يجب جعل أهل فلسطين يحسّون أنهم وحدهم، وأنه ليس هناك هوية قومية تجمعهم على أرض فلسطين وخارجها، أو أن لهم عمقاً عربياً، لأن أياً من هذا يجعل من الصعب على إسرائيل القضاء على هويتهم الوطنية والتاريخية، وإن كان الشعب الفلسطيني يحسّ أصلاً بالخذلان من العالم العربي وأنظمته، لكن إسرائيل تهدف إلى العزل السياسي والمعنوي الكامل وتفتيت الهوية من خلال تقليص ما يطمح إليه الفلسطيني إلى جهة تدير حياته وتنظمها، ويكون ذلك أقصى أمانيه.
ما تريده إسرائيل من لجنة غزّة، وأشدد على أنه أمنية إسرائيل وخططها، لا يعني إساءة الظن بأعضاء اللجنة من شخصيات وكفاءات، لكن المطلوب إسرائيلياً وأميركياً تقزيم دور أي إدارة فلسطينية في تنفيذ تنظيم إعادة الإعمار في غزّة، وليس حتى القيام بدور بلدية، فالبلديات في كل العالم تلعب دوراً سياسياً أيضاً، وتاريخ البلديات في فلسطين وطني نضالي، وفي مقدمة مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ومحاولة طمس هوية الشعب الفلسطيني. ولا تريد دوراً شبيهاً بالسلطة الفلسطينية، وإلا لكانت أميركا طالبت بالإتيان بالسلطة، فذلك كله لم يعد مقبولاً إذا دخلنا مرحلة التصفية تصفية الحقوق الفلسطينية من حق البناء على أرض فلسطينية إلى حق التحدث باسم فلسطين.
ما تقدم يثير أسئلة ومعضلات كبيرة، فاللجنة أصبحت في مقدمة مواجهة مجلس استعماري عالمي أخذ الضوء الأخضر من مجلس الأمن في حدث تاريخي مشين، إذ تمثل اللجنة كل ما يخالف ميثاق الأمم المتحدة وكل قراراتها، لذا من المهم أن لا تحس اللجنة أنها وحدها، فدورها سيؤثر على كل الشعب الفلسطيني. وهذا عبء كبير، لكن الدفاع عن أهل غزّة وحقوقهم على أراضيهم وإعادة بناء مجتمعهم هو دفاع عن الحق الوطني الفلسطيني. لذا يجب أن يكون هناك لجنة محامين دولية تراقب ما يحدث في غزّة ولا تتردّد بدعم فلسطين واللجنة، دعم عالمي من محامين ودول أولها جنوب أفريقيا برفع الصوت ولمقاضاة الاحتلال والمجلس معاً.
الأهم أن على كل الفلسطينيين وكل من يعمل في الحقل العام فهم خطر التحدّي القادم في غزّة، فما يسمى مجلس السلام، يعمل داخل أراضٍ محتلة، فوجود “مجلس ترامب” لم يغير من الوضع الحقيقي أو القانوني لقطاع غزّة، فهي أراضٍ تخضع لاحتلال عسكري، وعلينا جميعاً مواجهة أي خطوات لمجلس غزّة بدون كلال، فحرب الإبادة، وإن أصبحت بوتيرة أبطأ، لم تتوقف، والحرب الإسرائيلية الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية في أوجِها، وسوف تزداد شراسة.
لنتذكر أن التطبيع، خاصة الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية التي وقعتها إسرائيل مع الإمارات ودول عربية أخرى، تجاوز كل المعاهدات العربية الإسرائيلية السابقة سيئة الصيت أصلاً، لأن مروجيها يقبلون بما يسمى حق إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، ونكران الحق الفلسطيني، وإذا امتد التطبيع وتعمّق، خصوصاً أن هذا الهدف معلن لمجلس ترامب، فستبقى غزّة وحدها.
العبء ثقيل على لجنة إدارة غزّة، ويجب أن نمنع عزلها وأن لا نسمح بخلافات فلسطينية حول وهم “من يحكم غزّة” تشتت حقيقة معركة غزّة ومعركتنا جميعاً في إبقاء الحق الفلسطيني.



