
هل ينجح “الضغط” على واشنطن مرّة أخرى؟
محمود الريماوي
حرير- تنجح قيادات عربية وإسلامية في إعادة الإدارة الأميركية إلى التفاوض مع الجانب الإيراني، بعد أن كانت خطط التفاوض بين الجانبين على وشك الانهيار. والنجاح العربي والإسلامي الجزئي يتمثّل، أولاً، في تبريد الأزمة، ثم في منح الدبلوماسية والتفاوض فرصةً كافية. يذكر موقع أكسيوس، نقلاً عن مسؤول أميركي، أن “إدارة ترامب وافقت على عقد الاجتماع احتراماً لطلب حلفائها في المنطقة”. والاستنتاج المثير للتفاؤل أن الكتلة العربية والإسلامية، ممثّلةً بتسع دول (لم يذكر الموقع أسماءها)، تنجح في إبعاد شبح الحرب التي بدت شبه حتمية في الأسبوع الماضي، ثم في دفع الجانبَين إلى التفاوض المباشر أو غير المباشر، مع تأييد الطلب الإيراني باختيار مسقط مكاناً للمفاوضات؛ ما يدلّل على أن الجانب العربي قادر على التأثير حين يتسلّح برؤية واضحة وإرادة سياسية، لا كما أشاع بعضنا بأن لا حول لنا ولا قوة في ميزان العلاقات الدولية، وبخاصّة أمام القوة العظمى.
لقد ظهر الموقف الخليجي (والعربي) في التوتّرات الخطيرة أخيراً مميّزاً، ومتّسماً بالمبادرة والدينامية في التحذير المتواصل من مواجهة أميركية إيرانية، ولم يكن هذا الموقف أقلّ قوةً من الموقفَين الصيني والروسي الرافضَين لخيار الحرب. وقد انتهى الأمر بالبيت الأبيض إلى احترام رأي الحلفاء في المنطقة (ليس منهم إسرائيل) في عقد اجتماع بمسقط، التي لطالما استضافت بعيداً من الأضواء مباحثات أميركية إيرانية، منها المفاوضات التمهيدية التي أدّت إلى اتفاق العام 2015 بشأن ملف إيران النووي. وهكذا، بمزيد من الجدّية والمثابرة في توجيه رسائل واضحة إلى واشنطن، لا يملك صانعو القرارات هناك، في نهاية المطاف، إلا الإصغاء باحترام لأصوات حلفائهم من دول عربية وإسلامية، رغم ما أبداه الرئيس ترامب من تصلّب واندفاع نحو المواجهة مع إيران.
ورغم أن النجاح الذي تحقّق ما زال جزئياً، إذ إن شقّة الخلاف واسعةٌ بين الطرفَين الإيراني والأميركي، وتتعلّق بجدول أعمال المفاوضات، إلا أن النجاح الذي أُحرز يمكن البناء عليه في ما يتعلّق بملفّ إيران الساخن، وبما يتخطى هذا الملفّ بعدئذ إلى قضايا أخرى؛ وبخاصّة إذا ما استخلصت طهران الدروس الصحيحة من التدخّل العربي الإيجابي، وتعاملت باحترام فعلي مع الدول العربية، وأوقفت سياسة التمدّد وبسط النفوذ في المنطقة العربية. ومن المفارقات حقّاً أنه بينما تختار طهران، وتُفضّل عاصمةً عربيةً مكاناً للتفاوض مع واشنطن، وبينما نجحت دول عربية وإسلامية بتغليب خيار التفاوض وإبعاد شبح الحرب (ولو في هذه المرحلة)، فإن طهران تُقابل ذلك برفض حضور دول عربية (خليجية أساساً) لهذه المفاوضات كأطراف بصفة مراقبين، تحت عنوان التمسّك بنطاق ثنائي للتفاوض، ولكأنّما الدول العربية المعنيّة أرادت الانخراط في المفاوضات وجعلها ذات صيغة جماعية مثلاً (!). ومهما يكن من أمر، تحرّكت الأطراف العربية (وما زالت) مدفوعةً بشعور المسؤولية والحرص على أمن المنطقة، وهو أمن جماعي، وبناءً على إدراكٍ واعٍ لمخاطر الحرب التي سوف تصيب إيران قبل غيرها، رغم ما تبديه طهران من فوقيةٍ تجاه جيرانها، ورغم استعار النزعة الحربية لدى واشنطن. وما ينطبق على الدول العربية ينسحب على تركيا التي بادرت إلى رفع الصوت، وتحرّكت بنشاط لاحتواء التوتّر الخطير، مع أن طهران ترى في أنقرة غريماً لها أو منافساً لا يؤتمن جانبه في المنطقة؛ وهو ما جعل طهران تتوجّس من اختيار إسطنبول مكاناً للتفاوض، من دون أن تجعل تركيا من مكان التفاوض نقطة خلافية مع أحد.
وبينما تتمتّع طهران بخبرة تفاوضية لا تُنكر (خبرة حائك السجّاد العجمي البارع والصبور والطويل النَّفَس) لا يحبّذ الطرف الأميركي الذي ينتمي لمدرسة ترامب جلسات مطوّلة ولا جولات ماراثونية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة ترجيح احتمالات الفشل. إذ قد يكتفي الجانب الأميركي بانتزاع إنجاز ما ويعتبره رائعاً، ويعلن انتهاء التفاوض، كي يعيد ممارسة الضغوط الشرسة من خارج دائرة التفاوض، تهيئة لانتزاع إنجاز آخر بالتفاوض أو بغيره. بينما يجد المُسهّلون الذين يلعبون دوراً أقرب إلى نزع الألغام وسدّ الفجوات بين الجانبَين (عُمان وقطر وتركيا) أن مهمتهم تتركّز في إقصاء شبح الحرب والحفاظ على الخيار التفاوضي أو السياسي قائماً، حفاظاً على أمن المنطقة، فيما الطرفان الأساسيان يضعان نصب الأعين مصالحهما القومية المباشرة والحرص الفائق على الهيبة السياسية قبل أيّ اعتبار آخر، وهو ما يدلّل على تعقيد الموقف وحساسيته.
وليس بعيداً من إيران وأميركا، سبق للرئيس ترامب أن قال إن الضربات الأميركية على إيران في يونيو/ حزيران الماضي سهّلت تحقيق السلام في الشرق الأوسط، في إشارة إلى خطته المتعلّقة بغزّة، وأثنى ثناءً هائلاً على ما اعتبره إنجازاً عظيماً قد تحقق هناك. وبصرف النظر عن هذا الربط المفتعل بعض الشيء، وبالإشارة إلى نجاح ضغوط عربية وإسلامية على واشنطن للدخول في مفاوضات مع طهران، التساؤل هنا: لماذا لا تتوجّه جهودٌ عربية وإسلامية مماثلةٌ نحو واشنطن لحمل تل أبيب على احترام وقف إطلاق النار في القطاع؟ ولماذا لا يُطالب بعبارات محدّدة بوقف قتل المدنيين هناك، وإيقاف سلسلة الجرائم الإسرائيلية بحقّهم؟ وكيف تتسق حالة وقف إطلاق النار مع قتل أكثر من 550 مدنياً بدم بارد؟ علماً أن الوضع يوحي بأن حكومة الاحتلال عازمة على الاستمرار في نهجها الدموي إلى ما لا نهاية، ما يستدعي مجدّداً التدخّل الجدّي وبغير بطء لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة.
لقد تبيّن أن العرب حينما يحزمون أمرهم قادرون على التأثير في مجرى الأحداث، كما جرى من حمل واشنطن وطهران على بدء التفاوض من قادة عرب ومسلمين؛ فإلى متى “يُسمح” عربياً وإسلامياً بإبقاء الجرح نازفاً في غزّة… إلى متى؟



