
جيفري إبستين و”الغوييم” ومعاداة السامية
وسام سعادة
حرير- أظهرت الدفعة الضخمة من وثائق النخّاس المالي والجنسي والأمني جيفري إبستين كثرة استخدامه لمصطلح “غوييم” في مراسلاته. وهي الكلمة العبرية التي تستخدم للاشارة الى “الأغيار”، من أبناء “الأمم”، من غير اليهود. الاستخدام جاء بمحمول ساخر، وأحياناً ازدرائي. هنا يتململ من أنه دعي على عشاء كل من فيه من الأغيار، وهناك يتبجح بأن الغوييم ليس لهم غرض سوى خدمة شعب إسرائيل. كذا.
دفع شيوع الكلمة في مراسلات إبستين الى إطلاق عملية رقمية ساخرة من “عملات الميم” – التي تجاري الترندات – تحت الاسم نفسه، “غوييم”. يبقى أن استخدام إبستين للكلمة ليس حكراً عليه. فاستخدام الكلمة للتندر – والتندر الذاتي – شائع عند اليهود الأمريكيين. في حدود “التفكهن” في معظم الوقت. للغمز – غير المحتقن – من قناة “بساطة” المواطنين من غير اليهود. وأحيانا، بإيحاء أن “الغوي” شخصية غير قلقة، منظمة، غير مجادلة. “لغوي” الذي يقضي عطلة نهاية الأسبوع في مرآبه يصلح طاولة أو يدهن حائطاً، بينما النكتة اليهودية تقول إن اليهودي يستأجرا “غويا” للقيام بذلك، ثم يشتكي من جودة العمل. يحضر الحديث عن “الغوييم” في الكلام اليهودي الأمريكي مرة لوصف السذاجة الشائعة المنسوبة للسواد الأعظم من الأمريكيين البروتستانت، ومرة لاستطابة ما ينعم به هؤلاء من “راحة بال”. تحضر الكلمة إذا من باب “الدعابة الداخلية”. الدعابة أو المزحة التي لا يعرف مغزاها إلا المنتمون إلى نسيج محدد من الناس. بالرغم من كل إجرامه، لا ينفصل إكثار إبستين لكلمة “غوييم” – على ارتفاع منسوب الفظاظة والدناءة عنده حين يأتي عليها – عن سمة “الدعابة الداخلية” هذه. أما حين يطلق إبستين العنان للنزعة الداخلية لـ”تحسين النوع”، ولآرائه في أن على النخبة أن تسود جينياً، ولفكرة نشر حمضه النووي بتلقيح عشرات النساء بمزرعته بنيومكسيكو، ويربط هذا الهوس بتحسين بأفكار حول “العبور الى ما بعد الإنسان”، إذ كان يفكر بتجميد دماغه وجهازه التناسلي باستخدام النيتروجين لدرجة حرارة منخفضة جدا، على أمل أن ترجعهما التكنولوجيا المستقبلية الى الحياة، وعندما يتصل كل هذا بدائرة لا آخر لها من الاتجار بالبشر، واسترقاق القاصرات، والابتزاز المتبادل بين رواد المافيات الأوليغارشية، وتوظيف الأسماء الأريستوقراطية لتظهير جزيرته الشنيعة كناد للنخبة، فعندها يعود من الصعب للغاية احتساب استخدام إبستين لكلمة “غوييم” في باب الدعابة ليس الا. هي دعابة يلوكها، في حالته، مجرم حريص على احتساب نفسه في عداد “النخبة”، مقدار حرصه على إعطاء هذه النخبة لوناً اثنو-دينيا معينا، أي اقتراف ما يمكن وصفه باللاسامية المقلوبة، أو المعكوسة: السعي لـ”تمثيل”، بل تجسيد، نظرية المؤامرة. البحث عن أسوأ صورة لليهودي في مقال أعداء السامية، وتنبيها كمنهج للحياة.
آذاك لا يعود ثمة مهرب من تناول “الخصوصية اليهودية” في موضوع إبستين، وعدم طمسها، إن بحجة القول في الأوليغارشية أو الرأسمالية أو “عالم النخبة” المشار إليه بالتجريد، أو فقط من خلال العزف على وتر علاقة إبستين بإسرائيل وإيهود باراك والموساد. هناك شخص سعى بشكل قصدي لتحويل الصورة الأكثر شيطنة لليهودي إلى سيرة ذاتية له، ولم يغفل فيها أن يستخدم الإحالة الهوياتية.
لم يكن إبستين يتحرك في فضاء “النخبة” المجردة فحسب، بل ركز جهوده في بناء شبكات داخل المجتمعات اليهودية الثرية والمؤثرة في أمريكا وإسرائيل.
استخدامه للتبرعات السخية لمؤسسات يهودية لم يكن مجرد “غسيل سمعة”، بل كان وسيلة للانغماس في نسيج اجتماعي يوفر له الحصانة الأدبية. وهو واصل ضخ الأموال في مؤسسات تعليمية ودينية يهودية حتى بعد إدانته الأولى.
منذ الإدانة الأولى لإبستين، الى ما كشفته وزارة العدل الأمريكية من وثائق، مرورا بقضية المنتج السينمائي هارفي واينستين، ثمة سياق لم يجر تناوله الى حد كبير، لظهور نمط جديد من معاداة اللاسامية بدءا من أمريكا، في سياق مختلف عن السياقين الأوروبي والروسي لها منذ أواخر القرن التاسع عشر، وعن السياق التداخلي بينها وبين الموقف من الصهيونية وإسرائيل في الشرق الأوسط. في اللاسامية الأوروبية، كان ينظر لليهودي على أنه يمسك بآلتي التخريب، الرأسمالية المالية من جهة، والصراع الطبقي المحرض على الثورة الاشتراكية من جهة ثانية. في السياق الشرق أوسطي، هي معضلة هل يمكن، وكيف يمكن، وإلى أي حد، من الممكن، التمييز بين اللاسامية واللاصهيونية. في السياق الأمريكي، الوضع مختلف. هنا اللاسامية ستختلط رأسا مع التنديد بالنخب. المفارقة أن هذا يحدث فيما دونالد ترامب طرح نفسه على أنه رمز لوثبة شعبوية ضد النخب. تأتي هذه الملفات لتساهم إلى حد كبير بفضح هذه السردية، القائمة على ثنائية “الغوييم” – وقائدهم ترامب، في وجه “النخبة”. لكنها تأتي أيضا لتفرض شروطا جديدة على مواجهة معاداة السامية، تتطلب في أقل الإيمان الاعتراف بأنه من الخطأ إعطاء أي “حصانة أخلاقية” لأي هوية إثنو-دينية والاكتفاء من بعدها بالقول بأن النفر المحتسب على هذه الهوية هو الذي ضل سبيلا، فيما الحصانة الأخلاقية ينبغي أن تستمر لها كهوية بحد ذاتها. إنصاف الذاكرة، قول الحقيقة في موضوع الإبادة والاضطهاد المزمن المتعلق بمعاداة السامية، ينبغي أن لا يقترن في أي وضع كان مع اضفاء طابع حصانة افتراضية مسبقة على أي قوم. ما قام به إبستين لا يمكن أن ينفصل كليا عن هذا السياق.



