
أخطر عدوّين يواجهان السوريين اليوم
د. فيصل القاسم
حرير- في خضمّ التحولات الكبرى التي تعيشها سوريا اليوم، وبعد سنوات طويلة من النزيف والدمار والشتات، يبرز أمام السوريين تحدّيان خطيران يهددان ما تبقّى من استقرارهم، ويقفان سدّاً هائجاً في وجه أي محاولة لاستعادة الدولة عافيتها. هذان الخطران متلازمان، متشابكان، ويغذّي أحدهما الآخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: الإرهاب الدموي المسلّح الذي عاث خراباً منذ سقوط النظام السابق، وإرهاب التحريض والتأليب الإعلامي والتمرد الداخلي الذي يشتغل ليل نهار على تمزيق البلاد وإعادة إشعال الفتن.
هذه ليست معركة سياسية عابرة، وليست مجرد خلافات محلية أو صراع مصالح بين مجموعات متنافسة؛ إنها معركة وجود، معركة بقاء الدولة نفسها، معركة بين شعب يريد لملمة جراحه، ودولته التي بدأت تستعيد مواقعها، وبين أطراف تتغذّى على الفوضى ولا تعيش إلا في ظلال الخراب.
إرهاب المجرمين صفحة سوداء يجب أن تُطوى بالقانون، فمنذ اللحظة التي انهارت فيها مؤسسات الدولة القديمة، اندفعت قطعان وعصابات من المجرمين والمتطرفين لترتكب مجازر بحق السوريين في الساحل، ودفعت مناطق من السويداء إلى أتون الدم، ونهبت وسيطرت وخطفت وحرقت، حتى صارت مصائبها تشكل تهديداً للسوريين جميعاً.واليوم، وبعد سنوات طويلة من القتل والفوضى، بدأ السوريون أخيراً يرون هؤلاء المجرمين في قفص الاتهام، أمام محاكمات علنية تعيد للمظلومين بعضاً من حقهم. والحق أن هذه المحاكمات ليست انتقاماً ولا تصفية حسابات، بل هي ضرورة دولة، وشرط أساسي لعودة القانون، ورسالة واضحة أن سوريا الجديدة لن تكون ساحة مفتوحة للذئاب البشرية التي نهشت الشعب وكرامته وأمنه.
وإذا كانت العدالة اليوم تنزل بأولئك الذين قتلوا وحرقوا وشرّدوا، فهذا لا يكفي، حتى لو كانوا ينتمون إلى الحكومة ويعملون في مؤسساتها. المطلوب عقاب رادع، واضح، صارم. فمن يريد بناء بلدٍ جديد لا يستطيع أن يغمض عينيه عن الدماء التي سالت، ولا عن الأشلاء التي تناثرت، ولا عن القرى والأرزاق التي احترقت. إن من أذاق السوريين الويل لا يستحق سوى العقاب الأكبر، كي يعرف كل من يفكر بالعودة إلى الجريمة أن الدولة قد عادت، وأن القانون قد عاد، وأن زمن الفلتان قد مات.
أما إرهاب التحريض والتمرد الداخلي فهو العدو الأخطر لأنه يضرب العقل والوعي، وإذا كان المجرمون المسلحون قد قتلوا بالجسد، فإن المحرضين والمتمردين يقتلون بالعقل والوعي والانتماء. هؤلاء يدقون الأسافين بين السوريين ويحرضون منطقة على أخرى بخطابهم الطائفي والعنصري المقيت، وهم مع الذين يقفون خلف الشاشات ويختبئون في الداخل وفي دول بعيدة، ويتقاضون المال مقابل إشعال النار في سوريا، هؤلاء جميعهم مجرمون خطرون. لا يحملون سلاحاً ظاهراً، لكن كلماتهم أشد وتحريضهم وأفعالهم أكثر سمًاً وأخطر أثراً من الرصاص.
هؤلاء هم من يتحدّون الدولة علناً، يشتمون ويحرّضون، يوزّعون الأكاذيب، يزرعون الفتن بين أبناء المحافظة الواحدة، ويثيرون الشائعات حول الدولة، ويهاجمون كل خطوة إصلاح أو مصالحة أو استقرار. ومن يراقب عملهم يرى بوضوح أنهم ليسوا معارضين سياسيين، بل أدوات، منفّذون، قطعان تُقاد من الخارج وتتحرك بأوامر جهات تريد بقاء سوريا غارقة في مستنقع الفوضى والدماء.
إن تأثير هؤلاء لا يقل خطورة عن تأثير الإرهابيين المسلحين؛ فالكلمة المحرّضة يمكن أن تشعل حرباً أهلية، ويمكن أن تفجّر صراعاً طائفياً، ويمكن أن تضعف هيبة الدولة في أعين مواطنيها، ويمكن أن تربك القيادة وتشوّش على أي خطة للنهوض الاقتصادي والسياسي. إنهم يمارسون إرهاباً من نوع آخر… إرهاباً ناعماً لكنه قاتل.ولذلك يصبح من الواجب على الدولة مواجهة هذا النوع من التمرد بأساليب صارمة، سواء بالملاحقة القانونية، أو المحاكم، أو بسنّ قوانين حديثة تحاسب على التحريض الإعلامي والتمويل المشبوه والتخابر والعمل لمصلحة جهات خارجية. ومن الطبيعي والمنطقي أن يعامل هؤلاء كإرهابيين، لأنهم يمارسون وظيفة الإرهاب، ولو بوسائل مختلفة.
لماذا العدوّان خطيران بنفس القدر؟ لأن الأول يفتك بالجسد والثاني يفتك بالعقل. لأن الأول يدمّر ما تبقى من الأمن، والثاني يدمّر ما تبقى من الوطنية. لأن المسلح يخلق الدمار، والمحرض يخلق بيئة سياسية واجتماعية جاهزة للدمار. ولأن أي دولة تريد النهوض تحتاج أمرين معاً: الأمن والاستقرار الوجداني. ولا أمن مع إرهاب السلاح، ولا استقرار مع إرهاب الفتنة.
سوريا أمام مفترق طرق. اليوم تسير في مسار جديد، مسار شاق لكنه واعد. هناك محاولات سياسية ودبلوماسية لإعادة سوريا إلى محيطها، وهناك مشاريع اقتصادية تبدأ بالظهور، وهناك خطوات واضحة لإعادة بناء المؤسسات. لكن كل هذا يمكن أن ينهار خلال ساعات إذا بقي المجرمون بلا عقاب، وإذا بقي المحرضون يعبثون دون محاسبة.لم يعد للشعب السوري رفاهية الصبر على العبث. فقد دفع ما يكفي من الدماء، وانتظر ما يكفي من السنين، ورأى ما يكفي من الخيانات. والمرحلة القادمة تتطلب تركيزاً عالياً، وتماسكاً وطنياً، وقطعاً جذرياً مع الماضي الأسود.
يجب أن يدرك السوريون أن معركتهم اليوم ليست فقط مع المجرمين الذين حملوا السلاح، بل أيضاً مع الذين حملوا الفتنة، وأثاروا الحقد، وأكلوا من المال الخارجي، وأشعلوا الكراهية. لا يجوز السكوت عن أحدهما، ولا يجوز التساهل مع أي منهما.وقد آن الأوان لتقول الدولة قولتها: كل من يهدد أمن سوريا، بالسلاح أو بالكلمة، هو عدوّ… ويجب أن يحاسَب بلا تردد.
قد تختلف الأساليب، وقد يختلف الشكل الخارجي، لكن النتيجة واحدة: فوضى… دمار… تمزيق… إضعاف… وضياع مشروع النهوض السوري قبل أن يبدأ. ولذلك فإن حماية سوريا اليوم تقتضي مواجهة الإرهابين معاً: إرهاب الرصاص وإرهاب الخطاب، إرهاب السلاح وإرهاب التحريض. سوريا لن تقوم إلا إذا حوصِر الخطران، وضُربت جذورهما، ووضعت البلاد على سكة القانون والعدالة والاستقرار. فالمستقبل لن يُكتب على يد المجرمين ولا على يد المحرضين والمتمردين، بل على يد السوريين الذين تعبوا من الموت ويريدون أخيراً أن يعيشوا.



