
تل أبيب شريكة في الجريمة
سهيل كيوان
حرير- دعت لجنة المتابعة لشؤون الجماهير العربية في مناطق الـ48 إلى مظاهرة تحت عنوان «مسيرة الرايات السوداء»، تُنظَّم بعد غد السبت في تل أبيب، احتجاجاً على تواطؤ شرطة إسرائيل مع الجريمة المنظمة، وعصابات «تدفيع الحماية» (الخاوة) المستفحلة في المجتمع العربي، التي تحصد الضحايا بصورة يومية.
تأتي هذه الدعوة في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد: حرب الإبادة على قطاع غزة والتهديد باستئنافها، وتصاعد التوتر واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، وامتدادات الصراع إلى إيران ولبنان، وفي الداخل تفاقم عمليات هدم للبيوت في البلدات العربية، ولاسيّما في قرى النقب. في مثل هذا المشهد، يصبح الفصل بين القضايا مصطنعاً وغير حقيقي ولا واقعي. المسيرة المرتقبة هي امتداد مباشر لمسيرة الاحتجاج الكبرى التي شهدتها سخنين يوم الخميس الماضي، بمبادرة أصحاب المصالح، وشارك فيها نحو مئة ألف متظاهر، رفضاً للخضوع لعصابات الخاوة، التي تبتز التجار تحت تهديد السلاح، أمام شرطة لا تؤدي دورها إلا شكليا هذا إن فعلت، فهي تقف موقف الحياد في أحسن الأحوال، وتصل إلى موقع الحدث بتأخير وتجبي شهادات بصورة روتينية معروفة وغير جادة في السعي للقبض على المجرمين. ما جرى في سخنين ويُفترض أن يتواصل في تل أبيب هو صرخة في وجه سياسة إهمال ممنهجة، جعلت من الجريمة وأصوات إطلاق الرصاص واقعاً يومياً مُفزعاً في المجتمع العربي. لا يكاد يمر يوم بلا جريمة قتل، أو إلقاء قنابل على متجر هنا وهناك، وباتت الخاوة ضريبة مفروضة على الرزق والحياة. في هذا الواقع، يُترك أصحاب المصالح مكشوفي الظهر بلا حماية، فيما تتضخم قوة العصابات وتتناسل، ويتحوّل السلاح من أداة جريمة إلى وسيلة حكم محلي داخل مجتمع تُعامله الدولة بازدواجية فاضحة: تدخل بالقوة عند الهدم والمصادرة، وتغيب تام حين يُطلب الأمان.
ما بدأ صرخة من القاعدة، من الأسواق والمحال والبيوت المهددة بالابتزاز أو الإغلاق القسري، يُنقل اليوم إلى مركز القرار في إسرائيل. مدينة سخنين ممثلة للعرب في الداخل الفلسطيني، قالت إن المجتمع العربي يدفع ثمن السياسات من أمنه الشخصي ولقمة عيشه، ومسيرة تل أبيب تقول، إن هذا الثمن ليس شأناً محلياً يمكن عزله، أو تحميله للضحايا أنفسهم، بل نتيجة مباشرة لسياسات حكومية ترى في الجريمة داخل المجتمع العربي أداة تخدم استراتيجيتها، لا مشكلة تستوجب الحل. في هذا السياق، لا يُخفي الوزير لما يُسمّى «الأمن القومي إيتمار بن غفير»، ومعه مسؤولون آخرون، شماتتهم الضمنية بعد كل جريمة تقع في المجتمع العربي، بوصفها «دليلاً» آخر على فشل العرب في حياتهم وثقافتهم، لا على أنها سياسات موجّهة. تُستثمر كل جريمة قتل وكل عملية ابتزاز لتبرير مزيد من القمع، وليس إلى مزيد من الحماية، وكأن المطلوب ليس اجتثاث الجريمة، بل إبقاءها حيّة لتؤدي الوظيفة السياسية الواضحة التي رسمت لها. من هنا تأتي مظاهرة تل أبيب لتقول، كما قالت مظاهرة سخنين وعشرات الاحتجاجات في البلدات العربية، إن الجريمة مثل هدم البيوت ليست قدراً ولا ظاهرة اجتماعية معزولة، بل هي نتيجة سياسة مبرمجة. والاحتجاج اليوم محاولة لربط الخيوط كلها في خطاب واحد: الجريمة المنظمة تمارس نشاطها في ظل حكومة لا تسمح لشرطتها بالتدخل إلا للهدم والقمع. ويبقى السؤال المشروع: ما فائدة التظاهر في تل أبيب أصلًا؟ وهل يمكن لمظاهرة عربية، أو عربية بمشاركة يهودية، مهما بلغ حجمها، أن تغيّر سياسات حكومة يقودها اليمين الفاشي، الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة، حكومة لم تغير نهجها حتى أمام مظاهرات مئات الآلاف من اليهود، وملايين المتظاهرين حول العالم خلال حرب الإبادة على غزة؟ الجواب الصادق أنه لا فائدة فورية مباشرة أو سريعة، لكن الخطأ هو قياس المظاهرة فقط بميزان النتائج العاجلة.
وظيفة هذه المظاهرة هي، كسر العزل السياسي المقصود على المجتمع العربي، والتنصّل المنهجي من مسؤولية الدولة عن الجريمة المنظمة، التي تعمل تحت أعين شرطتها. هذا يعني أن الجريمة ليست خللاً عرَضياً، بل جزء من سياسة واسعة تُعامل المواطنين العرب بوصفهم جبهة مواجهة أخرى، لا كمواطنين لهم حق الحماية. التظاهر في تل أبيب هو نقل المعركة من هامش صُنعت له صورة «مشاكل داخلية»، إلى تحميل المسؤولية لمركز القرار الحقيقي عمّا يجري. إنه فعل يقول بوضوح إن الجريمة في المجتمع العربي ليست شأناً داخلياً، ولا نتاج ثقافة، أو تراثا كما يدّعون، بل حصيلة سياسات تُدار من تل أبيب بصورة متعمّدة. حين يصل الصوت إلى هناك، تسقط محاولة تحميل الضحية مسؤولية الجريمة، وينكشف التناقض: دولة تدّعي فرض النظام بالجرافة وإطلاق الرصاص على المواطنين، وتغيب حيث يُطلب الأمان، فهي تحضر فقط حين يُراد لها أن تقمع.
ثمّة بعد إضافي، وربما الأهم في هذه المسيرة: تل أبيب ليست فقط مركز القرار، بل نافذة إسرائيل على العالم. المظاهرة فيها لا تبقى محصورة محلياً، ولا تُدفن في هامش الإعلام الداخلي، إنها صورة تُلتقط وتُنقل وتُتداول عالمياً. وجود العرب ومعهم قوى يهودية في شوارع تل أبيب وهم يطالبون بالحماية لا بالسلاح، وبالعدالة لا بالفوضى، يربك الرواية الرسمية داخلياً وخارجياً، ويصعّب تسويق القمع بوصفه «مسألة داخلية أو ثقافة عرب». في هذا المشهد، لا يمكن فصل الاحتجاجات عمّا يجري في البلدات العربية من هدم متسارع، خصوصا في النقب، حيث تتكثف الجرافات بالتوازي مع استفحال الجريمة. تُترك البلدات لسوق السلاح والعصابات، فتتآكل الثقة، ويتحوّل العنف من صراع مع الدولة لتحصيل الحقوق إلى صراع داخلي بين أبناء البلد والحي الواحد. هكذا تُدار الفوضى الموجّهة: مجتمع منهك، مشغول بأمنه اليومي، يعيش خوفا، وعاجز عن تنظيم مواجهة جماعية لسياسات المصادرة والهدم والعنصرية. الجريمة هنا تؤدي وظيفة سياسية واضحة: إضعاف المجتمع العربي من داخله، وفي الوقت نفسه تقديمه كخطر على النظام العام وكخطر استراتيجي يحمل العنف لتبرير المزيد من القمع. المسألة واحدة، وإن تعددت أدواتها: إفقار اقتصادي، تفكيك اجتماعي بالجريمة، هدم ممنهج للمكان، وتضييق متواصل، بهدف تقليص الحيّز، تفتيت المجتمع، كسر إرادة البقاء، ودفع الجيل الشاب إلى الهجرة. من هنا، ليست مظاهرة تل أبيب رهاناً ساذجاً على تغيير فوري في سياسة حكومة فاشية، تدير ظهرها لأبسط قوانين حقوق الإنسان، بل فعل واع لقول ما تحاول الجرافة والرصاصة والفوضى أن تُسكتَه:
هنا مجتمع يريد أن يعيش بأمن وسلام في وطنه، يريد أن يتقدّم ويبني وينجز، في مواجهة منظومة عنصرية فاشية تُعامله وتحاربه وتحاول تقويضه كعقدة أمنية بشتى الوسائل وآخرها الجريمة المنظمة.



