
مخاوف «القارة العجوز» على مستقبلها بعد تخلي الراعي الأمريكي عنها
رياض معسعس
حرير- لم تكن مخاوف زعماء دول «القارة العجوز» (كما وصف وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد القارة الأوروبية)، في غير محلها قبل الانتخابات الأمريكية الأخيرة من عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كان التوجس سيد الموقف بعد فوزه وعودته إلى سدة الحكم، ولم يخب ظنهم فالعائد بقوة إلى قيادة العالم، استهل فترته الثانية برفع الضرائب الجمركية بنسب كبيرة غير مسبوقة على 180 دولة حولة العالم، ومنها دول أوروبا لملء خزائن أمريكا الفارغة (جنت أمريكا حوالي 240 مليار دولار من هذه الضرائب، خلال عام 2025) ما أثقل كاهل الصادرات الأوروبية، وأضر باقتصادها ومنتجاتها.
هذه الضربة الاقتصادية لم تكن السبب الأساسي في مخاوف الاتحاد الأوروبي، بل الأكبر والأكثر خطورة هو الهاجس الأمني، والتمدد الروسي عبر أوكرانيا وموقف ترامب منه، الذي لا يرضي كثيرا الاتحاد الأوروبي، ويبدو أنه نقطة خلاف شديدة بين ترامب وزعماء أوروبيين، يرون أن ترامب يسعى جاهدا لوقف الحرب في أوكرانيا بأي وسيلة كانت، ويخشون من تعاطفه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما يدفعه للموافقة على الأجندة الروسية والتخلي عن أوكرانيا، ما يزيد المخاطر على أوروبا، وحلف شمال الأطلسي، ومخاوف إثارة شهية بوتين للتمدد أكثر في الأراضي الأوروبية، خاصة في لاتفيا واستونيا وليتوانيا.
وجاءت الصدمة الكبيرة التي كانوا ينتظرونها من سيد البيت الأبيض المعروف بمواقفه المثيرة للجدل والوجل، إذ أثارت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، التي تؤسس لتغيير جذري في سياسة أمريكا الخارجية وعلاقاتها بحلفائها، خاصة الأوروبيين منهم، الذين حسب هذه الوثيقة فإن قارتهم «العجوز» لم تعد تشكل أهمية كبيرة وأولية استراتيجية لبلاد العم سام.
تتلخص هذه الاستراتيجية التي وضعتها الإدارة الأمريكية الجديدة، في إعادة رسم ملامح سياسة واشنطن الخارجية: إبراز الصين كخصم رئيسي ومهدد، ولا بد من احتوائه، وتراجع دور أوروبا على الساحة العالمية، وتزايد الاهتمام بأمريكا اللاتينية، مع تراجع الاهتمام بالشرق الأوسط. ويرغب ترامب من خلالها زعزعة نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي وضعته وقادته أمريكا لعقود طويلة، واستطاعت من خلاله الهيمنة العسكرية والاقتصادية على العالم، ونسج علاقاتها الدولية عن طريق إنشاء تحالفات تسندها وتساندها، واليوم تبحث عن إعادة صياغة هذه الاستراتيجية، من خلال منظور «أمريكا أولا».
تقول الوثيقة المكونة من 29 صفحة، إن سياسة ترامب مدفوعة «قبل كل شيء بما يصلح لأمريكا (ومن عادة أمريكا التخلي عن حلفائها عندما تنتفي الحاجة إليهم)، ويبدو أن ترامب يحاول في استراتيجيته الجديدة إعادة «مبدأ مونرو» القائم منذ قرنين وينص على أن أمريكا اللاتينية محظورة على القوى الأخرى (وهذا ما يفسر الهجوم على فنزويلا، ودعم اليمين المتطرف للوصول إلى الحكم في الدول التي تشهد انتخابات، كما حصل مؤخرا في هندوراس وفوز اليميني الفلسطيني الأصل نصري عصفورة، بدعم من ترامب، وفوز خوسيه أنطونيو كاست اليميني المتطرف في تشيلي). ورغم أنها صادمة ومحيرة، إلا أنها كانت متوقعة من قبل أكثر من دولة أوروبية، وكانت تتحسب لوقوعها. ففي الخامس من ديسمبر الماضي، عرض الرئيس ترامب استراتيجية إدارته الجديدة، التي تقوم على التركيز بشكل كبير على الساحة الإقليمية، خاصة أمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، التي تشهد تمددا صينيا روسيا متزايدا، يثير مخاوف واشنطن. هذه الاستراتيجية تكشف انخفاض القدرات الأمريكية بوجودها السابق في أركان المعمورة، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينيات القرن الماضي، وخلص أكثر من مراقب دولي إلى أن الاستراتيجية الجديدة، ترغب في إضعاف الاتحاد الأوروبي، وتحويله إلى كيان ضعيف ومجزأ، ما يُسهّل التعامل مع دوله ومنع توسيع حلف الناتو بما يخدم مصالح واشنطن. هذه الوثيقة التي تؤسس لنظرة جيوسياسية طويلة الأجل، تغير قواعد اللعبة في العلاقات الأوروبية الأمريكية، التي بنيت بعد الحرب العالمية الثانية، بداية بخطة مارشال، لإعادة بناء أوروبا المدمرة بعد الحرب، ثم بإنشاء حلف شمال الأطلسي ككتلة تواجه كتلة الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو. خشية الأوروبيين تكمن في انهيار متدرج للوحدة الأوروبية، بل ربما توسيع حلف شمال الأطلسي إلى دول حليفة جديدة من خارج أوروبا، ما يضعف الدور الأوروبي فيه.
صحيفة «تسايتونع» الألمانية تذهب إلى أبعد من ذلك، وتعتبر الوثيقة الاستراتيجية الامريكية تعمل على «تقويض العمليات الديمقراطية» في أوروبا، وفي أول رد فعل ألماني دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس كأولوية مطلقة إلى «تقوية المكون الأوروبي في حلف الناتو، وتماسك الاتحاد الأوروبي والحفاظ على المستوى السياسي والأمني فيه». صحيفة «دي فولكسترانت» الهولندية قالت: «الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تعكس الطابع المتطرف لإدارة ترامب، ونهاية العالم الأطلسي، وبالتالي نهاية أمريكا كراعٍ للنظام القانوني الدولي. لا يمكن إنقاذ أوكرانيا والأمن الأوروبي، إلا إذا تخلت أوروبا عن أوهامها بشأن أمريكا، فلأول مرة من ثلاثة أرباع القرن تواجه أوروبا أسئلة ملحة حول الحرب والسلام، من دون الدعم الأمريكي». في اجتماع لرؤساء أكبر دول في أوروبا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تم البحث في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية ومصير أوروبا، وأكد المستشار الألماني فيه أن مصير أوكرانيا من مصير أوروبا، وأن على أوروبا الاعتماد على نفسها، وأكد الخبراء في مكتب الاستشارية في برلين، أن أوروبا أدركت أنها ستضطر للاستغناء عن الولايات المتحدة في المستقبل، وذهبوا إلى أبعد من ذلك بالقول، إن واشنطن تسعى جاهدة إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي إلى دول متجانسة عرقيا. والأخطر من ذلك تشير الاستراتيجية إلى تراجع الاقتصاد الأوروبي لصالح صعود الصين، وتشير إلى أن هذا التراجع سيدفع أوروبا إلى الصفوف الخلفية في التصنيف العالمي، بل إذا استمرت أزمة أوروبا وتفاقمت فإن القارة العجوز ستضمحل خلال عقدين من الزمن.
فرنسا المتأزمة من جانبها كانت من أولى الدول الأوروبية التي دعت إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا بعد فوز أيمانويل ماكرون بالانتخابات في عام 2017، ولم تتفهم الدول الأوروبية الأخرى هذه الرغبة الفرنسية في الابتعاد عن الراعي الأمريكي، والاعتماد على النفس، بل استهجنتها، لكن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أكد مؤخرا أن التطورات الأخيرة ونشر الاستراتيجية الامريكية الجديدة «أثبتت أن فرنسا على حق» في دعوتها تحقيق الاستقلال الاستراتيجي، وتبنت ألمانيا دعوة فرنسا، في تطوير الدفاعات الأوروبية، وكذلك بريطانيا. وتقف أوروبا اليوم حائرة أمام الصدمة في التغييرات الجذرية في المواقف الأمريكية، تحت إدارة ترامب، وهناك من الدول الأوروبية من ينتظر الفرج في انتخابات أمريكية لاحقة تلحق الهزيمة بترامب واستراتيجيته، وتسنح لأوروبا الفرصة لالتقاط أنفاسها، والوقت الكافي لإعادة بناء استراتيجية جديدة تعتمد فيها على نفسها، من دون التخلي عن الراعي الأمريكي، ولكن في علاقة جديدة ندية دون تبعية.



