
اسرائيل بعد 77 سنه : من المثقف إلى الأزعر
الكاتب: د. أحمد رفيق عوض
اختفى اليهودي الطليعي القديم، الشكنازي والأبيض والعلماني والهارب من أوروبا والذي يتوهم أنه يبني وطناً في أرض لا سكان فيها ولا أصحاب لها، وحلّ بدلاً منه مجرد أزعر متبطل متورط في جرائم جنائية، يتلقى راتباً غير منتظم ومشحون برؤى مشيحانية مرعبة تصور له أن العالم سينتهي الأسبوع المقبل، وأن هذه الأرض يجب أن تستعد لاستقبال المشيح الذي سيبني دولة لليهود تدوم إلى الأبد.
اختفى اليهودي البولندي أو الروسي أو الأوكراني الذي كان يبحث عن قبول أو تفهم إن استطاع، كان يتوهم أنه يحمل مشروعاً دنيوياً يريد تنفيذه بكل الوسائل، حتى لو كانت على شكل مذبحة أو تهجير أو كليهما، وكان يؤسس لذلك من خلال اختراع نظريات مضطربة وإيمان متناقض بالأحقية والتميز، ولكنه كان حذراً وناعماً ومصقولاً، أما اليوم فاليهودي الذي نراه في ربوع الضفة الغربية المحتلة لا يتورع عن ضرب امرأة عجوز، ولا يوخزه ضميره إذا طرد أصحاب أرض يقطفون زيتونهم، أو اعتدى على منزل فيه أطفال ونساء، هناك من اليهود من يرى أن مثل هذا الناشط إنما يسيء إلى اليهودية، وأنه يعمل ضد إسرائيل ومستقبلها.
وهناك في المنظومة الأمنية الإسرائيلية من يرى أنهم تحولوا إلى أدوات إرهابية يعملون ضمن رؤية مشيحانية متطرفة أبعد من أهداف المنظومة ذاتها، أما بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين فلا نستطيع أن نفرق بين الجندي والمستوطن، إسرائيل اليوم لا تشبه إسرائيل الأمس، بدأت إسرائيل بأوهام استعمارية دنيوية وتنتهي الآن بأوهام استحواذية دينية، والشكنازي صار سافاردي، والعلماني صار متديناً، والمثقف البولوني صار أزعراً من أحياء تل أبيب الفقيرة أو مهاجراً جديداً يرى في نفسه أحد أبطال التوراة



