
السودان: هل تتحول تصريحات ترامب إلى أفعال؟
د.الشفيع سعيد
حرير- بدفع قوي من ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أطلق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تصريحاته الأخيرة حول الحرب في هذه البقعة من الكرة الأرضية التي اكتشفها مؤخرا، واسمها السودان، شكرا لولي العهد السعودي.
جاءت التصريحات في مشهد يختزل مأساة السودان المعاصرة، لا كمبادرة جديدة، ولم تتعد إبداء الرغبة والحماس الرئاسي في اعتماد قضية السودان ضمن أولويات الرئيس، ولم تحتو على أي مضمون محدد، كما لم تجبّ أو تعدل خارطة الطريق الصادرة عن مبادرة الرباعية، والتي تبدأ بالهدنة الإنسانية. وأصلا لم تشر التصريحات إلى المبادرة التي ولدت من رحم الإدارة الأمريكية في واشنطن، إلا أن مهندسها، الدكتور مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، أكد في تصريحات لاحقة أن الرئيس الأمريكي مباشرة بعد لقائه ولي العهد السعودي، ترجم حماسه الرئاسي في توجيهاته بتسريع الخطى في مسار المبادرة الرباعية. لذلك لم أفهم، ولا أدري ما الذي كان يدور في أذهان من كبروا وهللوا فرحا بالتصريحات، وهم حتى قبيل لقاء الزعيمين، الأمريكي والسعودي، بلحظات كانوا يرفضون الهدنة ويخوّنون من يقبلها وكل من يقول لا للحرب، ويرون في مبادرة الرباعية انتهاكا لسيادة السودان الوطنية؟
أليس التأخير والتعنت في قبول الهدنة يعني مزيدا من المعاناة للسكان المدنيين وحرمانهم من المساعدات الإنسانية وتعميقا للكارثة التي اعتمدها العالم كأكبر كارثة إنسانية في التاريخ الحديث؟
كثيرون منا تبدى لهم أن التصريحات أبانت تناقضا وارتباكا في الموقف الأمريكي ما بين موقف الرئيس الذي «اكتشف» الأزمة السودانية متأخرًا عبر ولي العهد السعودي، ومسار المبادرة «الرباعية» الذي بدا وكأنه منفصل عن خطاب الرئيس، بينما وزير خارجيته ومستشاره للشؤون الأفريقية والعربية هما من صمما المبادرة وظلا منخرطين فيها، مما يطرح تساؤلات كبيرة حول جدية الموقف الأمريكي تجاه حرب السودان. ولكن، مهما كانت الإجابة على هذه التساؤلات، وغض النظر عن اعتقادنا وقناعتنا أو تخيلنا وتوهمنا بأن تصريحات الرئيس ترامب تعكس حالة من عدم الجدية أو التناقض أو الارتباك في الرؤية الأمريكية تجاه الأزمة السودانية، فإنها في نفس الوقت، تضع الإدارة الأمريكية أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية. فإما أن تتحول كلمات الرئيس ترامب إلى أفعال حاسمة وملموسة، في مقدور الإدارة الأمريكية تنفيذها، أو سيسجل التاريخ بأن الولايات المتحدة، بقدراتها الهائلة، ظلت تقف متفرجة على واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث دون أن تتحرك بشكل حاسم لدرئها.
وبلغة أكثر تحديدا، إذا كانت الإدارة الأمريكية جادة حقًا في الاهتمام بالمأساة الإنسانية في السودان وتضعها في قمة أولوياتها، كما زعم الرئيس ترامب، فإن هذه القمة، في نظرنا، تتلخص في: أولاً، الضغط بكل الوسائل لوقف إطلاق النار وفرض هدنة ضرورية، باعتبار ذلك هو المدخل الحصري لأي مساعدات إنسانية ذات معنى. وثانيا، قطع شريان الممولين والداعمين للحرب من خارج البلد. فبدون ذلك، ستستمر الحرب في دوامة لا تنتهي. والدور الأمريكي الأكثر فاعلية لن يكون على الأرض في السودان، بل في عواصم هؤلاء الممولين والداعمين. وقمة الأولوية هنا هي استخدام واشنطن نفوذها للضغط على حلفائها، وتحديدًا دولة الإمارات العربية المتحدة التي تتهمها تقارير دولية موثوقة بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح واللوجستيات.
السودانيون لا ينتظرون حلولا لأزماتهم من الخارج، من الولايات المتحدة أو غيرها، فالحلول التي يطرحها المجتمع الدولي لعلاج الأزمات المتفجرة في بلداننا، تظل دائما جزئية ومؤقتة وهشة، تخاطب الظاهر لا الجوهر وجذور الأزمة، فدائما تنفجر مرة أخرى ولو بعد حين. وفي أحيان كثيرة تغلب على هذه الحلول سمة الصفقات التي تخدم مصالح الدوائر الخارجية أكثر من مصالح شعوبنا، كما هو واضح ومعلن في توجهات إدارة الرئيس ترامب. ولكن في ذات الوقت، لا يرفض السودانيون مساهمات الخارج وتسخير إمكانياته في فرض وقف إطلاق النار وتوفير الدعم الإنساني وتيسير المفاوضات، وذلك على قاعدة الحذر الشديد حتى لا تأتي هذه المساهمات على حساب مصالح شعبنا. وعموما، فإن الحل النهائي لأزمة السودان هو بأيدي السودانيين أنفسهم، ولا يمكن فرض حلول جاهزة من واشنطن أو الرياض أو أي عاصمة أخرى. والحل السياسي العادل لأزماتنا ينبع من إرادة الشعب السوداني ومصالحه، عبر حوار وطني شامل يضم كل المكونات باستثناء من أداروا ظهرهم لإرادة الشباب واختطفوا أحلامهم بالسلاح.
والمعادلة هنا بسيطة وواضحة: الحل يجب أن يكون سودانيًا خالصًا، ولكن الطريق إلى هذا الحل يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية لوقف كل من يحولون دونه.
اللحظة الراهنة في السودان هي اختبار حقيقي للضمير الإنساني وللمصداقية الدولية. لم يعد هناك متسع للخطاب الفضفاض أو للمناورات السياسية. وبالنظر إلى التطورات المرعبة، والانتهاكات الوحشية بحق المدنيين، وآخرها ما ارتكبته قوات الدعم السريع عقب اجتياحها لمدينتي الفاشر وبارا، فإن ما يمكن أن يقدمه الخارج، الرباعية أو خلافها، هو وقف نزيف الدماء، والاستجابة للضرورة الإنسانية الملحة. هذه أولوية مطلقة تتقدم على كل الأولويات، وأي حديث بخلاف ذلك هو ضرب من العبث، ودعوة لأن تتفاقم المأساة. إنها ساعة الحسم: إما أن تتحول تصريحات ترامب إلى فعل حقيقي يبدأ بإسكات المدافع، وكبح جماح داعمي وممولي الحرب، أو سنظل نحن وأمريكا والمجتمع الدولي، شهودا على سقوط بلادنا في هاوية النسيان، وعلى مزيد من هيمنة الموت والجوع والنزوح وتدمير مستقبلها. لذلك، يجب أن يكون شاغلنا الوحيد الآن هو المطالبة بوقف إطلاق النار وفرض الهدنة الإنسانية، والتوقف عن الثرثرة في الوسائط تعليقا على تصريحات ترامب وتبدل المواقف، وسخرية ممن كانوا يرفضون الهدنة والآن فرحون بالتصريحات، وتحويلة إلى «تشاكس» إعلامي وسجال سياسي رخيص بين الفرقاء. إنه ابتذال للمأساة وتغييب تام لمعاناة المدنيين الذين يدفعون الثمن.



