حين تُخفي القوىُ العظمى خيوطَها… وتُترك فلسطينُ وحدها في غرفة العمليات

قراءة في مشروع القرار الأميركي حول غزة: ما يُقال فوق الطاولة… وما يُدار تحتها

في لحظة بدا فيها العالم وكأنّه يخرج من رماد عامٍ ثقيل،
طرحت الولايات المتحدة مشروع قرارٍ لمجلس الأمن تقول فيه — لأول مرة بصوتهــا —
“حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة”.
جملة تبدو كأنها بابٌ يُفتح،
لكن خلف الباب ممرات طويلة،
وأبواب سرّية،
وخطواتٌ لا تُسمع على البلاط السياسي الملمّع.

الجملة براقة…
لكنها لم تولد من صحوة ضمير.
ولم تهبط كوعد جديد.
هي فقط، كما تظهر من الخلف،
إعادة تدوير لجوهر “خطة ترامب” القديمة،
لكن بثوبٍ أممي جديد،
بعد أن أصبحت إسرائيل في عزلةٍ سياسية وأخلاقية،
وبعد أن صار نتنياهو وحكومته وجيشه على حافة ملفات جرائم حرب ومحاكم دولية
لا يقدر على إنقاذهم منها إلاّ غطاء دولي سميك…
كذلك الذي يحاول القرار الأميركي أن يمدّه فوق رؤوسهم.

المشهد ليس بسيطًا.
وما يُحاك ليس قليلًا.
وحياة البلدان لا تُدار بهذه الخفة.
غزة ليست “منطقةً متعبة” تحتاج إدارة…
ولا الشعب الفلسطيني ورقةً على طاولة مفاوضات.
لكن ما يجري الآن يشي بأنّ العالم ينظر لغزة — وللقضية نفسها —
كملف يريد كلّ طرف أن يعالج من خلاله مصلحته هو…
لا جرح الإنسان الفلسطيني.

هنا يبدأ المشهد الحقيقي…
أولاً: أميركا… حين يُقدَّمُ “الكيّ” كعلاج

المسودة الأميركية تتحرك بوجهين:
وجه ناعم يكتب “تقرير المصير”،
ووجه آخر — لا يظهر إلا في الكواليس — يحاول إعادة تشكيل غزة في مرحلة انتقالية
تُدار فيها الأمنيات والأمن معًا:
قوة دولية تقودها واشنطن،
وصلاحيات واسعة،
ومجلس أعلى فوق الهياكل،
ومسار دولةٍ لا يبدأ إلا بعد شروط طويلة،
ونزع للسلاح،
وإعادة بناء سلطةٍ على مقاسٍ خارجي…
لا على مقاس الأرض.

ليست مصادفة.
هي عودة هادئة لخطة ترامب،
لكن بديكور أممي يجعل الاعتراض أصعب،
ويجعل الفلسطيني
أو يحاول ذلك ،طرفًا صغيرًا في قرار كبير لا يملك فيه سوى التكيّف أو الرفض.

ثانياً: روسيا والصين… حين يرى كل طرف ظلَّه في غزة
قد يبدو للعين السطحية أن اعتراض موسكو وبكين “موقف صديق”.
لكن الحقيقة — حين تُضاء من الداخل
أن اعتراضهما ليس من أجل فلسطين،
بل من أجل أنفسهما.

الصين ترى “تايوان” في النص الأميركي.
ترى أن شرعنة قوة دولية تُفرض على منطقة نزاع،
وبرئاسة طرف واحد،
يمكن أن تتحوّل لاحقًا إلى نموذج عالمي
قد يُستخدم ضدها يومًا ما:
في تايوان،
أو هونغ كونغ،
أو شينغيانغ.
النموذج خطير:
أميركا تُدخل قوة دولية حيث تشاء… وبغلاف أممي لامع.

وروسيا ترى في الخطة “أوكرانيا” مقلوبة:
خوف من أن يتحول المبدأ نفسه إلى مطالبة بقوة دولية في دونباس أو القرم،
وبوصاية على مناطق حساسة قرب حدودها،
ما يفتح الباب لتدخل دولي
يمسّ سيادتها ونفوذها مباشرة.

ليس الأمر حبًا بالفلسطيني،
بل خوفًا من فتح بوابة قانونية
قد يعود منها العالم نحو موسكو وبكين ذات يوم،
بالسلاح نفسه…
وبالمنطق نفسه.

ثالثاً: العرب… ثلاث خرائط وثلاث لغات وصمت واحد

المشهد العربي يتوزع كأنه فسيفساء:
دول ترى غزة كملف أمني خطير يجب تبريده بأي شكل.
ودول تبحث عن رضى البيت الأبيض كي لا تخسر تحالفاتها.
ودول ترفض المشاركة خوفًا من الغرق في مستنقع طويل.
لكن الخيط الذي يجمع الجميع هو:

لا رؤية عربية موحدة،
ولا سقف سياسي واضح،
ولا مشروع يعيد فلسطين إلى مركز القرار…
بل مجرد ردود أفعال
تدير الأزمة ولا تواجه أصلها.

رابعاً: إسرائيل… مشروع إنقاذ من العزلة لا مشروع سلام
رغم لغة الغضب التي يبديها اليمين الإسرائيلي تجاه فكرة “الدولة الفلسطينية”،
إلّا أن الجوهر الذي تتحرك من خلاله حكومة نتنياهو — وحلفاؤه — واضح وضوح ضوءٍ على سطح ماء:

القرار الأميركي ليس ضغطًا على إسرائيل،
بل إنقاذٌ لها من أكثر لحظةٍ خطرة في تاريخها:

عزلةٌ دولية غير مسبوقة

تقارير إدانة بالإبادة

دعاوى في محكمة العدل الدولية

تحقيقات في المحكمة الجنائية الدولية

انهيار صورتها الأخلاقية

ارتباك داخل مؤسساتها الأمنية

احتمال محاكمة قادة سياسيين وعسكريين

الخطة الأميركية تُقدّم لإسرائيل مخرجًا آمنًا:
قوة دولية تحجب مسؤوليتها،
مرحلة انتقالية تبعد يدها المباشرة،
نزع للمقاومة لتأمين حدودها،
فصل غزة عن الضفة،
إعادة تعريف الاحتلال كـ“إدارة انتقالية”،
وتحويل جريمة القرن إلى ملف مغلق…
تحت صمتٍ دولي محسوب.

وبذلك،
تمنح الخطة نتنياهو والقيادة اليمينية والجيش — حرفيًا —
أوكسجين سياسي وقانوني…
بعد أن كادوا يختنقون.

خامساً: فلسطين… بين فتح السلطة وفتح التاريخ، وبين الفصائل والشعب

المشهد الفلسطيني ليس واحدًا،
بل صورتان تقفان جنبًا إلى جنب:

فتح السلطة والقيادة الرسمية

تتعامل مع المسودة بترحيب محسوب،
ترى فيها فرصة للعودة إلى غزة،
وإعادة تموضع سياسي،
واعترافًا دوليًا تريده منذ زمن.
لكن العودة هنا محفوفة بخيوط كثيرة:
إصلاح بشروط،
تنسيق أمني تحت قوة دولية،
ومرحلة انتقالية بلا سيادة كاملة.

فتح التاريخية… فتح الأولى
تقرأ النص من زاوية أوسع،
ترى أن “الانتداب” أيًا كان اسمه
لا ينتج دولة،
وأن الحقوق لا تُمنح،
وأن الشعب الذي صنع قراره عبر التاريخ
لم يكن يومًا تحت وصاية خارجية.
وتعرف عبر تجربة طويلة
أن أي حلّ لا يقوم على الوحدة والسيادة
لن يكون سوى بابٍ جديد للأزمة.

الفصائل
تتحرك بين هذين المشهدين،
ترى الخطة محاولة لتطويع غزة،
وتفكيك المقاومة،
وإعادة تشكيل السلطة من الخارج،
وتخشى أن يتحول القرار إلى “الحل النهائي” لغزة
بعيدًا عن الضفة والقدس.

والشعب…
هو الصورة الثالثة،
الصورة التي تبقى دائمًا خارج الحسابات الرسمية،
لكنها في الحقيقة الميزان الحقيقي لهذا المكان.
شعبٌ أنهكته النار والركام،
لكن لا تزال لديه القدرة على رؤية الخيط الرفيع
بين “السلام” و“الإخضاع”،
وبين “الدولة” و“الإدارة”.
شعبٌ يعرف دون خطب
أن نزع السيادة لا يلد دولة،
وأن غزة لا تُدار،
بل تُحترم.

سادساً: القوة الدولية… التفاصيل التي تُخفي ما هو أبعد من الأمن

الصيغة الأميركية للقوة الدولية
لا تشبه قوات حفظ السلام التي يعرفها العالم.
إنها قوة بمهام سياسية وأمنية موسعة،
تفويضها طويل،
وصلاحياتها مفتوحة،
ومرجعيتها ليست الأمم المتحدة بل واشنطن نفسها.

ما يلوح خلف ذلك هو:
نزع السلاح
مراقبة الحدود
إدارة الحركة المدنية
إعادة تشكيل الشرطة
حماية “مجلس السلام”
ضبط أي تعبير عن المقاومة
وإعادة هندسة غزة من الداخل
قوة كهذه دون سقف زمني، دون سيادة فلسطينية
لا تكون قوة حماية،
بل قوة ضبط.
والضبط مهما كان اسمه
لا يصنع دولة،
ولا يعيد كرامة،
ولا يكتب مستقبلًا.

سابعاً: العالم… كلٌّ يرى فلسطين من نافذته

أميركا ترى استراتيجيتها.
الصين ترى تايوان.
روسيا ترى أوكرانيا.
أوروبا ترى حدودها وخوفها من اللاجئين.
العرب إلا قلة يرون مصالحهم فوق كل شيء.

في هذا المشهد،
تبدو فلسطين وكأنها “ساحة اختبار”،
يختبر فيها كل طرف أدواته،
ويرسم حدوده،
ويحمي مصالحه.

لكن الصورة من داخل المكان مختلفة تمامًا:
هنا، في هذه المساحة الصغيرة المحاصرة بين البحر والأسلاك،
يعيش شعب لا يريد سوى الحياة الكريمة،
ولا يطلب إلاّ أن تُترك له أرضه كي يبني عليها
دولته، وذكرياته، ومستقبله.
حيث يعود المشهد إلى جذره

في الخارج،
تدور لعبة أمم معقدة،
ويتحرك اللاعبون على الطاولة ببرود.
لكن في الداخل،
هنا في فلسطين،
الناس لا ينتظرون قرارًا كي يثبتوا حقًا،
ولا وصاية كي يصنعوا مستقبلهم.

القرار الأميركي بكل تفاصيله
ملف يجب أن يُقرأ بعمق،
بلا خوف،
وبلا وهْم.
فيه كلمات تحمل بريقًا،
وفيه مساحات مظلمة تحتاج ضوءًا،
وفيه إمكانية تُبنى،
كما فيه أخطارٌ تتربص.

والطريق في النهاية
لا يمرّ من واشنطن ولا موسكو ولا بكين.
يمرّ من هذا المكان الذي اسمه فلسطين.
من غزة التي لا تزال تنهض من تحت الركام
كأنها تصرّ على الحياة رغم كل شيء.
ومن شعب يعرف أن الدولة
ليست وثيقة،
ولا وعدًا،
ولا مسودة قرار…
بل فعلٌ يُصنع على الأرض،
بإصرار الإنسان الذي يريد أن يعيش
حرًا،
آمنًا،
مستقيمًا فوق ترابه.

يحيى بركات – مخرج وكاتب سينمائي فلسطيني

مقالات ذات صلة