مستقبل القضية الفلسطينية في ضوء التطورات الراهنة

عبد الناصر سلامة

حرير- قد يتصور البعض أن القضية الفلسطينية دخلت نفقاً مظلماً، في ضوء ذلك التشرذم العربي، أو حتى غياب العدالة في أركان المجتمع الدولي، أو حتى ذلك الترهل الرسمي الفلسطيني، ممثلاً في سلطة رام الله، وغير ذلك من الشواهد، إلا أن ما يغيب عن هؤلاء، أن الحالة هذه، ليست وليدة العام أو العامين الماضيين، أو حتى العقد الأخير، بل هي نتاج ما بعد اتفاقية كامب ديفيد (1978)، أي ما يقرب من نصف قرن، كانت كفيلة بهذا التردي، عروبياً وثقافياً ومعرفياً، وكل شيء تقريباً، ما ألقى ظلالا سلبية على كل مناحي الحياة، وكان الحق الفلسطيني العامل المشترك، في كل هذه التفاعلات.

ما يجب التذكير به، أن القضية الفلسطينية، حتى يوم السابع من أكتوبر 2023، صباح بدء طوفان الأقصى، لم تكن مطروحة على أي من موائد المجتمع الدولي، ولا الذين دأبوا على إصدار الوعود المزيفة، بحل الدولتين تارة، أو السلام مقابل التطبيع تارة أخرى، أو حتى السلام مقابل السلام على أقل تقدير، ذلك أن عملية مصادرة الأراضي وبناء المستعمرات كانت تسير بشكل متواصل، قتل الفلسطينيين والاستيلاء على ممتلكاتهم وتدمير زراعاتهم بلا هوادة، مخططات الطرد خارج الضفة إلى الأردن، وخارج قطاع غزة إلى مصر، يرددها مسؤولو الكيان على مدار الساعة، الاعتقالات في صفوف الشعب الفلسطيني لم تتوقف يوماً، الوزراء المتطرفون في حكومة الكيان، لا يخفون أطماعهم التوسعية في كل دول المواجهة، إلى غير ذلك كثير.

بعد الطوفان، يجب أن نتوقف طويلاً أمام تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لخص الموقف الحالي قائلاً: (الآن أواجه مشاكل في الحصول على دعم لإسرائيل، ولا أستطيع فهم ذلك، نشأت في عالم يدور فيه كل شيء حول السياسة، ويتمحور حول إسرائيل بقوة مذهلة، كانت كلمة واحدة سيئة عن إسرائيل، تكون بها خارج عالم السياسة، أما اليوم، فكلمة واحدة جيدة عن إسرائيل تكون بها خارج السياسة)، وهو التصريح الذي يوجز ما حققه طوفان الأقصى على الصعيد العالمي، بشهادة رئيس الدولة الأكثر دعماً للكيان الصهيوني، على كل الأصعدة، سياسياً واقتصاديا ومالياً وعسكرياً، ثم تم تتويج التصريح، بفوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، المدينة الأهم عالمياً وأمريكياً، متوعداً باعتقال قادة الكيان الإرهابيين، خصوصاً نتنياهو رئيس الحكومة، إن وطأت أقدامهم نيويورك.

تطورات الحالة الفلسطينية عالمياً، تبدلت إلى النقيض، على مدى العامين الماضيين، بفعل طوفان الأقصى، وهو ما لم يكن ليتحقق بالدبلوماسية، أو وسائل الإعلام، على مدى سنوات أو عقود، إلا أن الحالة العربية بوضعها الراهن لم يكن ممكناً الاعتماد عليها، في البناء على ما تحقق، لانتزاع الحق الفلسطيني، أو كسب مزيد من التأييد للقضية، على المستويين الرسمي والشعبي، ما يلقي المزيد من الأعباء على الشعب الفلسطيني، على اعتبار أن القضية أصبحت فلسطينية خالصة، بعد انسحاب عربي واضح، على أرض الواقع، إلا إنه يمكن تحديد ملامح المستقبل في عشر نقاط كالتالي:

أولاً: أثبتت اتفاقيات أوسلو، عام 1993، وما تلاها من أحداث وممارسات، أن كيان الاحتلال، يستخدم مثل تلك المباحثات والاتفاقيات، لاستهلاك الوقت، وتحقيق أهدافه، ممثلة في احتلال وضم مزيد من الأراضي، وهو ما فطن إليه الجانب الفلسطيني في الحاضر والمستقبل.

ثانياً: ثبت بالدليل القاطع، أن المقاومة هي الطريق الوحيد لتحرير الأرض، خصوصاً إذا كان الطرف الآخر صهيونياً، ذلك أن الصهيونية في حد ذاتها تعني احتلال أرض الآخرين، وفي الحالة الإسرائيلية تعني: إقامة دولة يهودية في فلسطين، على حساب الشعب الفلسطيني، وحقوقه التاريخية في الأرض.

ثالثاً: هناك أجيال جديدة، من أقصى العالم إلى أقصاه، تؤمن بالحق الفلسطيني، بل وتنتفض من أجله، ما يجب البناء عليه، باستمرار المقاومة بكل أشكالها، وهو ما يعيه قادة الحركات المسلحة بالفعل، ويمكن اعتبار أن ما يجري على الأرض الآن، مجرد هدنة، ليس أكثر.

رابعاً: آن الأوان لتوحيد الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، نحو طريق واحد، هو تحرير الأرض، ما يعني ضرورة إعادة النظر في سلطة الرئيس محمود عباس في رام الله، بوضعها الحالي، والاعتماد على سلطة جديدة تؤمن بالمقاومة سبيلاً وحيداً للتحرر، مع الوضع في الاعتبار أن الرئيس الراحل ياسر عرفات، أقر قبل رحيله بخطأ اتفاقيات أوسلو من حيث المبدأ.

خامساً: أصبح من المؤكد، اعتماد القضية الفلسطينية، على تكتلات دولية جديدة، في المحافل الدولية، بدءاً من دول أمريكا اللاتينية، وأخرى افريقية وآسيوية، ناهيك من المنظمات الإقليمية والدولية حول العالم، وهو ما أكسب القضية زخماً سياسياً وشعبياً، كانت تفتقده في الماضي، الأمر الذي يساعد على طرد الكيان من عضوية محافل عديدة متنوعة، بدأت بوادرها، ستعجل بنهايته على كل الأصعدة. سادساً: لم يعد مخطط تهجير الشعب الفلسطيني مقبولاً، على كل المستويات، الإقليمية والدولية، ولم يعد للطرح وجود على أي مائدة مفاوضات الآن، وهو في حد ذاته انتصار للقضية، ما كان ليتحقق إلا بالصمود في غزة، وهو الصمود الذي يجب البناء عليه أيضاً، بمزيد من التصدي للمخططات الصهيونية.

سابعاً: كل الشواهد تؤكد حالة التصدع، التي يعاني منها مجتمع كيان الاحتلال الآن من الداخل، في وجود أكثر حكوماتهم تطرفاً وإرهاباً، ما سيساعد على التعجيل بنهايته على المدى القريب، وما يوجب أيضاً البناء عليه فلسطينياً، بمزيد من الضغط والتحدي، باستدعاء كل أدوات المقاومة في الداخل والخارج، باعتبارها السبيل الوحيد للتحرر.

ثامناً: ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات، على مدى نحو مئة عام، خصوصاً خلال العامين الماضيين، (أكثر من 75 ألف شهيد، وما يقرب من 200 ألف جريح) إضافة إلى التدمير الكامل لقطاع غزة، في إطار حرب إبادة غير مسبوقة، يضع الأجيال الجديدة هناك أمام مسؤولياتها، بالإصرار على القصاص لذويهم، ومزيد من الإصرار على تحرير الأرض، التي رويت بدماء طاهرة.

تاسعاً: عادت القضية الفلسطينية تطرح نفسها من جديد على الأجيال العربية الجديدة، باعتبارها قضية العرب الأولى، بعد أن كانت قد توارت، خلف هواجس رسمية، وخلق قضايا عشوائية، استهدفت تسطيح العقل العربي، وها هو الشباب من المحيط إلى الخليج، يدعو للمقاومة والجهاد، وينتظر بفارغ الصبر، اللحظة التي تتغير فيها قناعات الأنظمة، بما يعلي من شأن الكرامة والعروبة والاستقلال.

عاشراً: أصبحت القضية الفلسطينية، في كل مكان في العالم، تمثل رمزاً للحق والعدل، بينما تمثل الصهيونية رمزاً للإبادة والخداع، ما سيلقي ظلاله، على أية انتخابات، أو اختيارات سياسية، خلال السنوات القليلة المقبلة، الأمر الذي سوف يغير توجهات العواصم والمحافل الدولية في آن واحد، لصالح القضية والشعب الفلسطيني.

من هنا يمكن القول، إن العالم بعد طوفان الأقصى ليس كما كان قبله، كما أن القضية بعد الطوفان أيضاً، أصبحت في مكانها الصحيح، بعد أن اتسعت لها ساحات المحاكم الدولية، الجنائية منها والعامة، خصوصاً مع اعتراف 159 دولة، بالدولة الفلسطينية المستقلة، وتصدر الساحة بلدان تدعو إلى تحرير الأرض الفلسطينية بالقوة المسلحة، وسط مطالب بتشكيل جيوش لتحقيق هذا الهدف، في تطور لم يكن منظوراً من قريب أو بعيد، ما سيضع العواصم العربية والإسلامية أمام مسؤولياتها مستقبلاً، بحكم الضغط الشعبي، بالداخل والخارج في آن واحد.

قد يتطلب الأمر مزيداً من التضحيات، وقد يتطلب مزيداً من الوقت، إلا أنه يمكن التأكيد على أن قيام الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف، أصبح في متناول اليد، في الوقت الذي سيتزامن فيه ذلك مع زوال كيان الاحتلال، بعدما أصبح مؤكداً أن حل الدولتين لم يعد ممكناً بأي حال، في ظل تشدد الكيان وإفراطه في ارتكاب المجازر من جهة، وفي ظل وضوح الحق الفلسطيني أمام العالم، على كامل التراب المحتل من جهة أخرى، وإن غداً لناظره قريب.

مقالات ذات صلة