‏مواقف “المحافظين” و”العمال” البريطانيين من فلسطين

علاء الدين أبو زينة

حرير- ‏كانت بريطانيا هي المتسبب في واحدة من أعقد القضايا التي ما تزال تشغل العالم وتوتره، القضية الفلسطينية. وبدلا من محاولة التكفير عن جريمتها التاريخية التي ما تزال توقع ضحايا يوميا طوال أكثر من قرن، تواصل هذه الدولة سياساتها الاستعمارية الظالمة وغير الأخلاقية بدعم جرائم الكيان الذي أوجدته، وتجاهل معاناة الشعب الذي نكبته.

بدأت جريمة بريطانيا التاريخية بـ”وعد بلفور” في العام 1917. وفي ذلك الوعد، تعهدت الحكومة البريطانية بدعم إقامة “وطن قومي لليهود” في فلسطين، وأسست لبدء الهجرة اليهودية الجماعية إلى المنطقة وخلق توترات بين اليهود والفلسطينيين العرب. وخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين (1920-1948) ، قامت بريطانيا بإدارة فلسطين بطريقة سهلت هجرة اليهود إليها، بينما قمعت بوحشية الاحتجاجات الفلسطينيين على ذلك التوجه، وحيدت قدرة الفلسطينيين على الدفاع أمام العصابات الصهيونية الإرهابية المسلحة جيدًا بمساعدة البريطانيين أنفسهم. وأدى ذلك إلى نكبة الفلسطينيين في أعقاب انسحاب البريطانيين.

واليوم، تستمر بريطانيا في لعب دور في الصراع من خلال سياساتها ومواقفها الدولية. وما تزال تتعرض للانتقادات بسبب عدم اتخاذ مواقف أكثر قوة تجاه انتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين، وعلاقاتها العسكرية والتجارية والدبلوماسية مع الكيان الصهيوني الاستعماري. ومع التباين الشكلي في سياسات الحزبين الرئيسيين اللذين يحددان مواقف بريطانيا تجاه القضية الفلسطينية، تبقى هذه الدولة من أهم الداعمين للكيان الذي أوجدته.

‏حافظ حزب “المحافظين”، الذي يميل تقليديا إلى اليمين، على موقف مؤيد للكيان الصهيوني. ويتجذر هذا الموقف في عدة عوامل، منها التحالفات التاريخية، والمصالح الاستراتيجية، والتحالفات الأيديولوجية.‏ وقد أعرب حزب المحافظين دائما عن دعمه القوي لما يسميه “حق إسرائيل في الوجود وفي الدفاع عن نفسها”. وغالبا ما تم تأطير هذا الدعم في سياق القيم الديمقراطية المشتركة والتعاون الإستراتيجي.‏

رسميا، يدعم حزب المحافظين حل الدولتين، ويدعو إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الكيان. ومع ذلك، ينطلق المحافظون من التركيز على احتياجات الكيان الأمنية والتحديات التي تفرضها الفصائل الفلسطينية، خاصة تلك التي لا تعترف بحق الكيان في الوجود.‏ وغالبا ما ينتقد “المحافظون” القيادة والفصائل الفلسطينية على ما يسمونه العنف والإرهاب. ويشددون على ضرورة نبذ الفلسطينيين لـ”العنف” والتركيز على مفاوضات السلام. وبذلك، يصادق “المحافظون” على عنف الكيان بينما يدينون المقاومة الفلسطينية المشروعة للاحتلال.‏

ومع ذلك، في حين يدعم “المحافظون” رسميا حل الدولتين، فإنهم يظلون أقل صراحة في إدانة سياسة التوسع الاستيطاني من حزب “العمال”. وعادة ما يتهربون من هذه الإدانة بتكرار الدعوة إلى إجراء مفاوضات مباشرة بين الأطراف لحل هذه القضايا. وحتى ‏عندما قدمت حكومات المحافظين مساعدات إنسانية للأراضي الفلسطينية، فإنهم علقوها على شرط التزام “السلطة الفلسطينية” بالسلام وتدابير ما يسمونه “مكافحة الإرهاب”.‏

‏في المقابل، عرض حزب العمال، ذو الميول اليسارية تقليديا، موقفا أكثر وضوحا في تأييد الفلسطينيين، خاصة في ظل قيادات معينة، مؤكدًا على مرتكزات حقوق الإنسان والقانون الدولي والتضامن مع الشعوب المضطهدة.‏ ويدعم حزب العمال أيضًا حل الدولتين. لكنه يركز بشكل أقوى على حقوق الفلسطينيين والحاجة إلى إنهاء الاحتلال “الإسرائيلي” للأراضي الفلسطينية.‏

لعل الفارق الأوضح بين الحزبين هو أن حزب العمال كان أكثر صراحة حول حاجة المملكة المتحدة إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية كجزء من عملية السلام. واكتسب هذا الموقف زخما خاصا تحت قيادة جيريمي كوربين.‏ كما انتقد حزب العمال في كثير من الأحيان سياسات الكيان، وخاصة توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، معتبرا إياها غير قانونية بموجب القانون الدولي وعائقا رئيسيا أمام السلام.‏ ويشدد حزب العمال على أهمية دعم حقوق الإنسان والقانون الدولي في الصراع في فلسطين. ويشمل ذلك إدانة العنف وانتهاكات حقوق الإنسان.‏ ويدعو الحزب إلى زيادة المساعدات الإنسانية للأراضي الفلسطينية، وخاصة غزة، ويدعو إلى إنهاء الحصار للتخفيف من الأزمة الإنسانية.‏

على الرغم من مواقفهما العامة من القضية الفلسطينية، شهد الحزبان انقسامات داخلية حول هذه المواقف. ويواجه حزب المحافظين انتقادات من بعض الأعضاء الذين يدعون إلى اتخاذ الحزب نهج أكثر توازنا تجاه طرفي الصراع. وفي المقابل، تعامل حزب العمال مع مزاعم معاداة السامية، خاصة خلال قيادة كوربين وموقفه المساند للفلسطينيين، مما عقد موقفه وأدى إلى صراع داخلي أفضى إلى انشقاق كثيرين عن الحزب.‏

على هذه الخلفيات، أعلن كير ستارمر، زعيم حزب العمال، أن الحزب لن يعترف بالدولة الفلسطينية بشكل أحادي الجانب في حال فوزه بالانتخابات، وهو ما حدث نهاية الأسبوع الماضي. وقال إن هذا الاعتراف سيكون جزءًا من عملية السلام القائمة على حل الدولتين مع الكيان. وشكلت هذه الخطوة تراجعا عن موقف الحزب في انتخابات 2017 و2019، التي تعهد فيها بالاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية.

وقد أثار هذا التغيير استياء بعض أعضاء الحزب الذين يرون فيه تخفيفا لالتزام الحزب بحقوق الفلسطينيين. وربط ستارمر هذا الاعتراف بما أسماه جهود السلام الدولية، وأكد أن حزب العمال سيعمل مع الشركاء الدوليين للاعتراف بالدولة الفلسطينية كجزء من الجهود لتحقيق حل تفاوضي يقوم على الدولتين.

في مقال يرصد احتمالات الانتخابات البريطانية، كتبت الباحثة هيلين نونر في مجلة “أوريان 21″ الفرنسية: في شباط (فبراير)، دعا ستارمر أخيرا إلى وقف إطلاق النار، لكنه تجنب استخدام كلمة ’فوري‘، مما جعل الدعوة بلا معنى. وتسبب ذلك في فوضى برلمانية، حيث اعتبر تلاعبا لتجنب هزيمته من قبل العديد من نواب حزب العمال الذين لم يعودوا قادرين على تحمل نفاق ‏‏المملكة المتحدة‏‏ في الحرب وهددوا بالتمرد والتصويت ضد اقتراحه.‏

‏”في الأشهر التالية، حاول ستارمر إصلاح علاقته مع الجاليات المسلمة تحسبًا للانتخابات، حيث يمكن أن يتأرجح تصويت المسلمين ويؤثر في العديد من المقاعد البرلمانية، خاصة في ميدلاندز ونورث في إنجلترا. لكن دعواته، التي كانت في أحسن الأحوال فاترة، إلى وقف إطلاق النار كانت جوفاء، إلى جانب دعمه لحق إسرائيل في ’الدفاع عن النفس‘ ودعمه المستمر لمبيعات الأسلحة ‏‏البريطانية‏‏ التي تساهم في المجازر”.‏ (انتهى الاقتباس)

باختصار، لا سبب يدعو إلى الكثير من التفاؤل بشأن حدوث تغيير جذري في موقف بريطانيا من القضية الفلسطينية بتغير الحزب الحاكم. وينسجم هذا مع تعاقب “الجمهوريين” و”الديمقراطيين” على الحكم في الولايات المتحدة، -وحتى في الكيان نفسه حيث “العمل” و”الليكود” وجهان لعملة واحدة. ويبقى الأمل معلقا على إحداث تغيير في تفضيلات الرأي العام في تلك الدول وتصاعد الضغوط الشعبية لإحداث فارق. وكما تبين، فإن استمرار زخم المقاومة الفلسطينية هو الكفيل وحده بإحداث هذا التغيير.

مقالات ذات صلة