في استراتجية الأمن القومي الأميركي

طلال أبو غزالة

حرير- طرحت الولايات المتحدة استراتيجيتها للأمن القومي تحت مظلة أميركا أولاً في محاولة لإعادة رسم ملامح دورها في النظام الدولي، بعد عقود من الانغماس في مشاريع الهيمنة الكونية التي استنزفت الموارد وأضعفت التركيز على الداخل، فهل هي خطة واقعية تربط الأهداف بالأدوات، وتعيد الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية بوصفه حجر الزاوية في بقاء أي دولة وازدهارها.

يكشف المدخل الاقتصادي لهذه الاستراتيجية عن إدراك عميق بأن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لضمان التفوق، لذا تؤكد الوثيقة على إعادة إحياء الصناعة الوطنية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز صناعة الدفاع والطاقة، بما يجعل الاقتصاد الأميركي ليس مجرد محرك داخلي، بل أداة ردع واستقرار، وهنا يمكن قراءة هذا التحول ضمن قناعة لمؤسسات صنع القرار بأن الأمن القومي يبدأ من المصنع والمزرعة، لا من المؤسسات الدولية التي كثيراً ما أعلن ترامب صراحة أنها قيد الحركة الأميركية. ومن هنا، يأتي رفض سياسات صفر انبعاثات أو الأيديولوجيات المناخية التي يراها عائقاً أمام النمو، باعتبار أن الاقتصاد القوي هو الضمانة الأولى للأمن القومي.

على المستوى الدولي، تتضح ملامح إعادة التموضع في نصف الكرة الغربي، يُعاد إحياء مبدأ مونرو بصيغة جديدة تُعرف بـمبدأ ترامب حيث تُصر الولايات المتحدة على أن القارتين الأميركيتين يجب أن تبقيا تحت قيادتها، بعيداً عن نفوذ الصين أو غيرها ومن هذه القناعة انطلقت في عملية كاراكاس التي أسفرت عن إعادة هيكلة الحكم في فنزويلا، وفي آسيا تُخاض المنافسة مع بكين عبر أدوات اقتصادية وتكنولوجية على الرقائق الإلكترونية التي توصف بالنفط النادر وحاليا، تمثل تايوان نحو 92% من الإنتاج العالمي لصناعة أشباه الموصلات بدقة أقل من 10 نانومترات.

وهنا لابد من الإشارة إلى غياب سياسة الصين الواحدة عن استراتيجية الأمن القومي، وهو ما قد تكون له تداعيات عميقة على مستقبل العلاقات الأميركية الصينية؛ أما أوروبا، فواضح أن الاستراتيجية وما تلاها من أزمة غرينلاند تراها قارّة مأزومة تحتاج استعادة هويتها الثقافية والاقتصادية، فيما يُطرح الشرق الأوسط ساحة لتجنب الحروب الطويلة، مع التركيز على الاستثمار والتكنولوجيا، وقبول الحكومات كما هي من دون فرض نماذج خارجية، وفي أفريقيا، تُبرز الوثيقة أهمية الموارد الحيوية وربط الأسواق بالدولار، بما يجعل القارّة جزءاً من منظومة الإمداد الأميركية.

ويمكن القول إن هذه التحولات ليست شعارات هنا وهناك، بل انعكاسات عملية على مناطق مختلفة، ففي آسيا، يتجلى التنافس مع الصين في حماية سلاسل الإمداد والاستثمار في البرمجة التفاعلية المسمّاة الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، وهي أدوات تكنولوجية ستحدد ميزان القوى في العقود المقبلة.

وفي أوروبا، يظهر البعد الثقافي إلى جانب الاقتصادي، حيث تسعى واشنطن إلى دعم الحلفاء في مواجهة أزمة الهوية وتراجع معدلات المواليد، مع محاولة إنهاء الحرب في أوكرانيا لإعادة الاستقرار. أما في الشرق الأوسط، فإن التركيز على الاستثمار والتعاون التكنولوجي يعكس رغبة في تحويل المنطقة من ساحة نزاعات إلى فضاء شراكات، وإن كان ذلك مشروطاً بتقليل الاعتماد الأميركي على نفطها.

وبالنسبة لنا في العالم العربي، إن هذه الاستراتيجية تحمل دلالات مزدوجة، فمن جهة، يشير التركيز الأميركي على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على نفط المنطقة إلى تراجع نسبي في مركزية الشرق الأوسط داخل الحسابات الأميركية، وهو ما قد يفتح الباب أمام قوى أخرى لملء الفراغ، ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن بناء السلام وتعزيز التعاون التكنولوجي يضع المنطقة أمام فرصة لإعادة صياغة علاقتها بواشنطن على أساس الاستثمار والابتكار، لا على أساس الحروب والصفقات الأمنية فقط. غير أن هذا التحول يفرض على الدول العربية أن تدرك أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في الانخراط العميق أو تحمّل أعباء أمنية مفتوحة، بل تسعى إلى شراكات متوازنة تحمي مصالحها أولاً. وهنا يظهر التحدي الأكبر والسؤال الأبرز وهو كيف يمكن للعالم العربي أن يحوّل المخاطر إلى فرص خاصة أن تراجع الاعتماد الأميركي على نفط المنطقة قد يُضعف أوراق الضغط التقليدية، لكنه، في الوقت نفسه، يفتح المجال أمام تنويع الاقتصادات العربية وتطوير قطاعات جديدة كالتكنولوجيا والطاقة المتجددة، كما أن التركيز الأميركي على الكفاءة والجدارة يطرح نموذجاً يمكن للدول العربية أن تستلهمه في إصلاح مؤسساتها، بعيداً عن الانتماءات الضيقة أو المحاصصة التي أضعفت قدراتها، فإذا كانت واشنطن تحذّر من السياسات التي تضعف المؤسسات، فإن الرسالة الضمنية إلى العالم العربي أن بناء الدولة الحديثة يبدأ من تعزيز الكفاءة والجدارة داخلياً.

وفي النتيجة، تبدو الاستراتيجية محاولة لإعادة ضبط البوصلة وليس نحو الانكفاء، بل نحو إعادة تعريف القيادة العالمية على أساس مصالح محددة بوضوح وبأدوات عملية، وبمعنى أبسط ربما تكون انتقالا من خطاب الهيمنة إلى خطاب البقاء والازدهار، ومن المغامرة إلى الواقعية. وللأهمية أقول بالنسبة للعالم العربي، فإن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها إنذاراً وفرصة في آن واحد: إنذاراً بأن زمن الاعتماد على المظلة الأميركية قد ولّى، وفرصة لبناء شراكات جديدة قائمة على الاستثمار والتكنولوجيا والكفاءة. تقدير الموقف الواضح هنا أن من يقرأ هذه الوثيقة بعين استراتيجية سيدرك أن العالم يدخل مرحلة جديدة، حيث لا مكان للضعف أو التبعية، بل للقدرة على تحويل التحوّلات الكبرى إلى مسارات للنهوض.

مقالات ذات صلة