
انتحار المعني علي مشانق مجلس الأمن !
عبد الله السناوي
🛑 إنه أخطر تطور في مسار القضية الفلسطينية منذ نكبة (1948).
لم يكن اعتماد خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بقرار من مجلس الأمن الدولي حدثاً مأساوياً معتاداً .
إننا أمام تحول جوهري على الأرض ، إذا مضى إلى آخره ، فإنه يفضي إلى تقويض القضية كلها .
المخاوف الفلسطينية أعلنت عن نفسها سريعاً وبلا تردد .
اعترضت عليه الفصائل الفلسطينية المسلحة ، التي حملت عبء المقاومة والقتال في قطاع غزة على مدى عامين كاملين ، ورفضته بحسم دون خداع نفس .
القضية كلها تكاد تتلخص مآسيها في نصوص وأجواء وتبعات هذا القرار الأسوأ في تاريخ المنظمة الدولية ، كأننا أمام انتحار لأي معنى قانوني وإنساني على مشانق مجلس الأمن .
عند إعلان “ترامب” لخطته بدا ، أن المقصود بها حماية إسرائيل من عزلة دولية ، تكاد أن تفرض عليها ، مع ذلك رحبت بها “حماس” .
ما الذي يدعوها الآن ، مدعومة من “الجهاد الإسلامي”
و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” ، إلى إدانتها ، بعد أن تبناها مجلس الأمن الدولي ؟
الترحيب استهدف – اولاً وقبل كل شيء – وقف الحرب الوحشية على غزة وتجويع أهلها ، وإنهاء المأساة الإنسانية المروعة ، التي هزت الضمائر الإنسانية في العالم بأسره .
رحبت وفاوضت بقدر ما تقدر عليه تحت ضغط عسكري إسرائيلي من ناحية ، وصراخ الجوعى في غزة المنكوبة ، مما يتعرضون له من تنكيل لا مثيل لبشاعته في التاريخ الإنساني الحديث من ناحية أخرى .
بدت الأولوية الفلسطينية ، كما صاغها قادة الفصائل المسلحة : “وقف الحرب على أهلنا” ، لكن التقتيل لم يتوقف بعد وقف إطلاق نار هش ، وأبسط مقومات الحياة ، ما زالت غائبة ، فيما الشتاء القارس يداهم الجوعى والمرضى والمشردين بلا مأوى .
الأخطر من ذلك كله وضع قطاع غزة تحت الوصاية الأمريكية بقرار أممي بتنسيق كامل مع قوات الاحتلال وتخويل القوات الدولية المزمع تشكيلها نزع سلاح المقاومة الفلسطينية ، وليس “حماس” وحدها .
بمعنى آخر ، تمكين إسرائيل من إنجاز ما فشلت فيه بالسلاح والتقتيل والإبادة الجماعية على مدى عامين كاملين .
هذا يعني بالضبط : إهدار أي معنى للتضحيات الهائلة التي بذلها الفلسطينيون للبقاء فوق أرضهم ، أو ألا يسلموا مصائرهم للاحتلال الإسرائيلي .
من يشكل قوة الاستقرار الدولية المؤقتة ، التي سوف تتولى مهمة نزع سلاح المقاومة ؟
الإجابة وفق نص القرار الأممي : إنه “مجلس السلام”، الذي ينتظر أن يترأسه “ترامب” نفسه ، ويضم إليه ، من يرى من قيادات دولية ، كأننا أمام سلطة انتداب واسعة الصلاحيات على مصير قطاع غزة .
لا أهمية ولا قيمة للجملة الاعتراضية ، التي وردت في نص القرار : “بما يتسق مع القانون الدولي ، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني” .
إنها لا تزيد عن كونها ذراً للرماد في العيون .
بصياغة غائمة وملغمة معاً ، تبنى القرار الأممي فقرة تقول نصاً عن القوة الدولية المزمعة :
“إن مجلس السلام سوف يضطلع بتشكيلها بالتشاور والتعاون الوثيقين مع مصر وإسرائيل ”.
ما المقصود بالضبط ؟!
أسوأ سيناريو ممكن توريط مصر في نزع سلاح المقاومة الفلسطينية .
إنه كابوس تاريخي ، لا يصح لمصر بكل ثقلها وأدوارها واعتبارات أمنها القومي التورط فيه .
فيما هو معلن ومعروف ، فإن الولايات المتحدة لن تشارك في القوات الدولية ودول أوروبية عديدة ، تحتذي الموقف نفسه .
لا أحد مستعد أن يقع في هذا المستنقع ، الذي يعني بالضبط تولي مهمة نزع السلاح الثقيلة بالنيابة عن إسرائيل ، التي فشلت في تحقيقها تماماً .
بصورة أو أخرى ، سوف تمارس الولايات المتحدة الحد الأقصى من الضغوط على مصر .
حسب المعلومات المتاحة ، فإنها تحاول الإفلات من هذا الخيار الكارثي .
هذه مسألة تتجاوز النظام الحالي بالاتفاق أو الاختلاف معه إلى بديهيات الأمن القومي وسمعة البلد ومستقبله في محيطه العربي .
إنه انتحار تاريخي آخر على مشانق القرار الأممي .
تركيا مرشحة أمريكياً للعب هذا الدور ، غير أن إسرائيل تتحفظ عليها بدواعي التنافس على المصير السوري ، أو أن يكون لتركيا موطئ قدم على حدودها المباشرة .
تتردد ترشيحات أخرى لدول إسلامية ، تدور في الفلك الأمريكي للمشاركة في القوة الدولية المزمعة ، لكن لا أحد سوى مصر يملك القدرة والخبرة العسكرية والميدانية ، التي تؤهله للعب ذلك الدور المسموم .
لا تخفي إسرائيل توجسها من القوة العسكرية المصرية ، حيث أعلن وزير دفاعها “يسرائيل كاتس” المنطقة الحدودية مع مصر ميدان عمليات بذريعة أنه يجري عبرها تهريب السلاح إلى “حماس” .
وضع مصر وإسرائيل على قدم المساواة في التشاور والتعاون الوثيق مشروع توريط لا شهادة تقدير ، فقرار “مجلس السلام” ، الذي يترأسه “ترامب”، سوف يتبنى دائماً ما هو في مصلحة إسرائيل على حساب ما هو فلسطيني وعربي .
هذا الدور لم يكن في خطة “ترامب” ذات النقاط العشرين ، لكنه أضيف إليها في القرار الأممي ، حارماً الفلسطينيين من حقهم المشروع في مقاومة الاحتلال وفق القوانين الدولية .
من وجهة نظر المقاومة الفلسطينية ، فإنه “ينبغي أن تركز القوات الدولية مهامها على حماية المدنيين الفلسطينيين، دون التدخل في شؤونهم الداخلية ، أو تهديد حق الشعب الفلسطيني في المقاومة الشرعية وتقرير المصير” .
قرار مجلس الأمن يبدو مرتبكاً في صياغاته ، يقول الشيء وعكسه عن حقوق الفلسطينيين .
“يؤكد أن الظروف قد تكون باتت مهيأة أخيراً لإيجاد مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني ، وإقامة الدولة الفلسطينية” دون أي خطوات عملية بأي مدى منظور .
يقول إن الولايات المتحدة سوف تحتضن حواراً فلسطينياً إسرائيلياً عن الأفق السياسي ، دون أن يفصح عن أي توجه جدي وحقيقي ، كأننا أمام مراوغات مقصودة لتمرير القرار .
كل شيء له صلة بمستقبل القضية الفلسطينية مرتهن
بـ”تنفيذ برنامج الإصلاح المتفق عليه من قبل السلطة الفلسطينية ، وعندما يحرز تقدم ملموس في إعادة إعمار قطاع غزة ”.
السلطة أيدت بمفردها القرار الأممي ، كأنها تتصور أن تجني ثمار حرب دامية ، لم تطلق فيها رصاصة واحدة .
رغم تنازلات السلطة ترفض إسرائيل تخويلها أي دور بأي مستقبل ، بل أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي “إيتمار بن جفير” هدد رئيسها “محمود عباس- أبو مازن” بالاعتقال ، إذا حاول أن يتحرك من أجل دولة فلسطينية .
بالنظر إلى الأجواء والحسابات ، التي جرت قبل التصويت على قرار مجلس الأمن ، فإننا في أسوأ لحظة مرت على القضية الفلسطينية بتاريخها كله .
الفلسطينيون ممزقون ، حركة “فتح” ترفض المشاركة في أي حوار وطني ، يضمها إلى “حماس” مستهدفاً توحيد الصف الفلسطيني .
الدول العربية ، بلا استثناء واحد ، أيدت القرار الأممي ، ولم تسجل رسمياً تحفظاً واحداً عليه .
روسيا والصين رغم ما سجلتاه من تحفظات جوهرية على خطة “ترامب” ، لم تمارسا حق النقض عليه ، وامتنعتا عن التصويت عليه بضغط من الدول العربية !
الأولوية الروسية الحرب في أوكرانيا ، والأولوية الصينية ، ألا تتورط في مثل هذه الأزمات الحادة ، التي قد تؤثر بالسلب على نموها الاقتصادي .
من يفكك إذن حبال المشانق ، التي أحكمت على القضية الفلسطينية ؟
هذا هو سؤال المصير .



