إسرائيل التي لم تطلق علينا رصاصة.. حبيب الصايغ

يمكن التقديم إلى هذا الموضوع الصعب، وإن بدا صعباً بأن فلسطين ليست عنواناً اعتيادياً يطرح فيتبادل الناس حوله الآراء، والآراء البسيطة والساذجة والمجانية. لهذا العنوان ما يتصل بالتاريخ والصيرورة المثقلة بالحمولات، وله ما يتصل بالموضوعية والعقل، وله ما يرتبط بالوجدان والعاطفة والذاكرة المشتملة، بالضرورة، على ذاكرة المستقبل، وللعنوان الفلسطيني اتصاله بالسياسة من حيث هي فكر أو استراتيجية أو اشتغال يومي، وبين ذلك كله ذلك الخيط الناظم من المبادئ والقيم.
ثم إن فلسطين الحلم منذ الطفولة والصباحات الصاحية ومواضيع الإنشاء، وكذلك التحدي واليقين اللذان يتجاوزان الوقائع اليومية، ولا يستهين بهذه الوقائع إلا من لا يحسن القراءة، فتضحيات الشعب الفلسطيني ومعها تضحيات شعوب الأمة العربية في مراحل متفرقة من التاريخ العربي الحديث والمعاصر، تقود حتماً إلى تحقيق غايات كبرى «تأرجحت» عبر العقود، بين العمل والأمل.
لماذا يردد اليوم هذا المتفق عليه، البدهي، وما الذي استجد؟
هي الأصوات ترتفع هنا وهناك، مهرولة إلى «إسرائيل» تريد نصرتها وزيارتها وتعلن عن خالص آيات المحبة والولاء، ومع الإقرار بأنها أصوات معدودة ومحدودة التأثير، إلا أنها تتسارع نمواً كما هو في الظاهر، ولعل من أسباب تصاعدها ونموها غض النظر عنها.
لا غفلة عن هذه الأصوات ولا سكوت، خصوصاً حين تحاول فئة ما الكلام باسم المجموع والوجدان الجمعي ولم يفوضها أحد، بل إن البعض ذهب إلى اتخاذ مواقف مخزية لا يضع فيها عاقل أو متزن نفسه. محمد سعود الذي وصف بالإعلامي السعودي والذي كان منظره بائساً وهو يطرد من حارات القدس القديمة. لقد زار القدس عبر الصهاينة وتل أبيب، فاستحق ما جاءه من عرب القدس المرابطين.
قبله سعى أنور عشقي إلى ذلك زائراً «إسرائيل»، ومعه بالغ عبد الحميد الغبين، وهو ينظر ويبرر، وذهب السيئ المسيء كساب العتيبي إلى نفي القدسية والأهمية عن المسجد الأقصى الشريف، نحو نفي الأهمية عن القدس عاصمة فلسطين الأبدية، وقبل الجميع بادر المصري علي سالم إلى زيارة «إسرائيل»، ملتقياً قادتها ومثقفيها، فما كان من الجسد الثقافي المصري، بل قل الجسد المجتمعي بأكمله، إلا مقاطعته، حتى غمرته عزلة السنوات والعقود.
قد يقول قائل، في التبسيط المجاني ذاته، إن في مصر والأردن سفارة ل «إسرائيل»، نعم هذا صحيح، وكان له حسب البعض ظروفه وملابساته، وكان له عند أغلب المثقفين والناس الرفض والاستغراب، فمن ينكر أن النخب المصرية والأردنية هي الأشد رفضاً للتطبيع؟
ومن قال إن السعوديين والخليجيين والعرب أجمعين لا يرفضون التطبيع والاعتراف ب «إسرائيل»، منطلقين من الفكرة والمرجعية ذاتهما؟
فمن فوض المطبعين بالكلام نيابة عن الجميع؟ ثقوا أيها المطبعون أن تصريحاتكم وتصرفاتكم لا تفرح إلا «إسرائيل» ولا «تدغدغ» إلا مشاعرها.
ثم لماذا يتكلم هؤلاء باسم «الليبراليين»؟ ولماذا تحميل «الليبراليين» وزر ما يقول أو يفعل هؤلاء؟ لا بد من التمسك بموضوعية النقل والحكم.
غير ذلك، فإن المتمسكين بالعقل العربي يرون زيارة الرئيس المصري أنور السادات القدس واحداً من ثلاثة حوادث «شرخت» الصف العربي بما لا يمكن معالجته إلا عبر ما يشبه المعجزة مقرونة بمرور الزمن الطويل الثقيل، وثاني تلك الحوادث غزو صدام حسين الكويت، وثالثها ما سمي «ثورات الربيع العربي».
نعود إلى الموضوع ولم نبتعد إلا بما يقرب:
توالت أخيراً الدعوات إلى زيارة «إسرائيل» والتمنيات بزيارتها، فهذه الزميلة الإعلامية السعودية سكينة المشيخص تجري معها قناة «إسرائيلية» مقابلة، هي ومواطنتها سعاد الشمري، لتعلن رغبتها أو عدم ممانعتها زيارة «إسرائيل»، ف «لا مشكلة سياسية لنا معها»، و«إسرائيل لم تطلق علينا رصاصة».
وتذهب سكينة في المبالغة لتطلب زيارة المناطق الإسرائيلية «اللي ما فيها عرب وفلسطينيين».
يعني تريدين زيارة «إسرائيل» فما هذا الحلم العظيم؟ وما الداعي للتبرير وتصوير «إسرائيل» وكأنها الملاك والفلسطينيين وكأنهم الوحوش الضارية؟ ولماذا الذهاب إلى أقصى الاستفزاز، حيث الشرط عدم رؤية عرب أو فلسطينيين؟
سوف نرد عليك بموضوعية، ونحن ضد من رد عليك بالبذاءات والشتائم، لكنك لم توفقي في الرد على الأبواق القطرية التي وجهت لك الشتائم على تصريحاتك «الإسرائيلية» المسجلة. لا يُرد على الانتهازية قطر بما معناه: لقد سبقتني إلى هذا السوء فلماذا تلومني الآن؟
يا سيدتي، ومع وافر الاحترام، فإن «إسرائيل» عدو حقيقي وطبيعي لنا كما هي عدو للأشقاء الفلسطينيين، وليس من حقك، ولا من حق أحد الكلام عن السعوديين جميعاً أو الخليجيين، ثم إن الاختيار بين أن تكون «إسرائيل» عدواً أو أن تكون إيران عدواً، ثم المقارنة لجهة حذف «إسرائيل» مثلاً لمصلحة إيران أو العكس، لماذا هذا التبسيط المخل؟ ولماذا كل هذا التكلف؟
إيران التي تحتل الأرض العربية، وتريد تصدير ثورتها البائسة وفكرة الولي الفقيه أو تريد بسط نفوذها في عواصم ومناطق عربية عدو بالتأكيد، والأكيد أن «إسرائيل» التي تحتل أرض فلسطين العربية وتصادر حقوق الفلسطينيين في الداخل وتصادر حق العودة وتستمر في بناء المستوطنات ولديها برنامج ممنهج في التقتيل والنفي، «إسرائيل» هذه التي لم تطلق علينا رصاصة، عدو أصيل خطأ كبير تجاهل ذلك، وتجاوز ركام الدم والندم، ثم التعبير العجيب عن محبة «إسرائيل» والرغبة في زيارتها.
«إسرائيل» التي لم تطلق علينا رصاصة هي «إسرائيل» التي ظل العرب يتوحدون ضدها، ولو بالقلب والضمير واللسان، غير مبالين بتحولات العالم من حولهم، وهي «إسرائيل» نكبة 48 ونكسة 67 ومجازر بحر البقر وقانا وصبرا وشاتيلا وغيرها، وهي الشوكة المزروعة في حلوقنا والقطعة الغريبة الملصقة بنا قسرياً.
لا نحب «إسرائيل» الفكرة والمشروع والخطر والأثر والخوف والكيان الديني العنصري، ولا نرغب في زيارتها، ونتضامن مع أشقائنا الفلسطينيين داخل فلسطين وفي كل مكان.
كلمة في الختام: لا بد من مواجهة هذه الحملات قبل أن تصبح تياراً، وأولى الخطوات المفترضة مقاطعة كل من يزور «إسرائيل»، أو يدعو إلى ذلك أو يعلن عن رغبته، أو يمارس التطبيع أو يدعو إليه بأي شكل من الأشكال، مقاطعته على المستويين .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة