
الدورة الثالثة.. لا يكفي أن نشرّع.. من يحرس سيادة القانون؟
جهاد المنسي
حرير- ما الذي يتغير في حياة الأردنيين عندما يُقرّ مجلس النواب قانونًا جديدًا؟ وهل تكفي النصوص التشريعية للقول إننا نتقدم في مشروع الإصلاح، إذا لم يجد المواطن أثرها في عدالة التطبيق، وحماية الحقوق، وتكافؤ الفرص؟ هذان السؤالان ينبغي أن يكونا في صلب عمل مجلس النواب العشرين في دورته العادية الثالثة، لأن التحدي لم يعد في إنتاج التشريعات بقدر ما أصبح في ضمان أن تتحول إلى ممارسة، وأن تكون سيادة القانون حقيقة لا عنوانًا يتكرر في الخطابات.
سيادة القانون نقطة البداية، فلا معنى للحديث عن دولة المؤسسات إذا لم يكن القانون مرجعًا متساويًا للجميع، وإذا بقيت الواسطة والنفوذ والاعتبارات الاجتماعية قادرة على التأثير في الحقوق والفرص، كما لا يجوز أن تتحول هيبة الدولة إلى مطالبة المواطن بالامتثال وحده، فيما تبقى المساءلة عن تجاوز القانون متفاوتة، فقوة الدولة لا تُقاس بصرامة النصوص، بل بعدالة تطبيقها على الجميع، كما ورد في الأوراق النقاشية الملكية.
ومن هنا، فإن الدور الرقابي للمجلس لا يقل أهمية عن دوره التشريعي، فالمطلوب ألا تقتصر الرقابة على الأسئلة والاستجوابات ومناقشة أداء الوزارات، بل أن تتناول مدى تنفيذ السياسات والبرامج المعلنة، وأن تضع الحكومة أمام مسؤولياتها في إزالة الاختلالات التي تعطل الإصلاح، فلا يجوز أن نواصل الحديث عن التحديث دون أن نسأل عن حصيلة ما تحقق منه، ولا أن نكتفي بإقرار قوانين لا تتوافر ضمانات تطبيقها.
وينطبق ذلك بصورة مباشرة على الإصلاح السياسي والحريات العامة، فتعزيز المشاركة الحزبية والبرلمانية لا يكتمل دون توسيع مساحة التعبير، وحماية حق المواطنين في المشاركة في الشأن العام، وتوفير بيئة تسمح بالاختلاف، ومن غير المنطقي أن ندعو لحياة سياسية أكثر انفتاحًا، ثم لا نمنح الحريات المساحة التي تحتاجها هذه الحياة كي تنمو وتتطور.
كما أن مسؤولية المجلس النيابي تمتد إلى ترسيخ المواطنة ومواجهة مظاهر التعصب العشائري والإقليمي والجهوي والطائفي، والتصدي لخطاب الكراهية والتطرف من أي مصدر كان؛ فالتنوع الاجتماعي والسياسي ليس مشكلة، وإنما المشكلة في توظيفه للتمييز أو تجاوز القانون أو الانتقاص من حقوق الآخرين، والمرجعية التي تحسم الخلافات وتحمي الحقوق يجب أن تكون القانون والمؤسسات، لا موازين النفوذ أو الولاءات الضيقة.
وتزداد أهمية هذه المسؤولية مع القوانين المطروحة أمام المجلس. فقانون الضمان الاجتماعي، بما يتصل به من حقوق المشتركين والمتقاعدين واستدامة الحماية الاجتماعية، وقانون التنفيذ الذي يضع التوازن بين حقوق الدائنين والمدينين أمام اختبار تشريعي وقضائي، وقانون العمل وما يرتبط به من حقوق العمال ومصالح أصحاب العمل، ثم قانون الموازنة العامة بما يكشفه من أولويات الإنفاق والقدرة على ترجمة السياسات إلى نتائج؛ كلها ملفات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها استحقاقات لإقرار القوانين، بل اختبارات لمدى انحياز التشريع للعدالة والمصلحة العامة.
ولا يقل الإصلاح الإداري والاقتصادي والثقافي أهمية عن ذلك؛ فالمطلوب إدارة عامة أكثر كفاءة ومساءلة، واقتصاد يوفر فرص العمل ويكافئ الإنتاج، وثقافة عامة تحترم الاختلاف وتؤمن بالحوار وتكافؤ الفرص.
إن نجاح الدورة الثالثة لن يكون في عدد القوانين التي يقرها المجلس، وإنما في قدرته على مساءلة الواقع الذي يفترض أن تغيره هذه القوانين، فالأردن لا يحتاج لإعادة صياغة شعارات الإصلاح، بل إلى ضمان تنفيذها، ولا يحتاج إلى نصوص تؤكد سيادة القانون بقدر حاجته إلى قانون يُطبق على الجميع، ذلك هو الامتحان الحقيقي لمجلس النواب، وتلك هي المسافة التي ينبغي أن يقطعها بين التشريع وبناء الدولة الحديثة.



