مسيحي أردني ينقذ «قلوب» المسلمين

بسام البدارين

حرير- ثمة طبيب في الأردن يوصف بأنه جنرال القلوب بعد خدمته لأكثر من نصف قرن في تطوير وتأسيس الخدمات الطبية.

اللواء الطبيب المتقاعد الدكتور يوسف القسوس هو أحد روافع وروافد القطاع الطبي الأردني خلافا لأنه من أكبر المستشارين في الطب الباطني وطب القلب ضمن خارطة أطباء العالم.

الأهم صاحبنا ينقذ أرواح المسلمين منذ أكثر من 50 عاما مع ابتسامة وأدوية مجانية.

لا أصدق أن الطبيب المبدع يمكن أن يطلب رأسه من قبل جاهل متطرف يستطيع الحصول على سلاح فقط لأنه «مواطن مسيحي».

كيف يمكن التحاور مع من قرر أن يملك صلاحية الموت والحياة؟

طبيب القلوب القسوس له حكايات يعرفها كاتب هذه السطور مع 3 أجيال من الأردنيين وهو أحد أبناء قرية «حمود» بالمعنى الوطني التي تعرضت كنيستها لهجوم خسيس قبل أيام.

طبيبنا لم يدقق يوما وهو يعالج الفقراء قبل الأثرياء بالقيد المدني لزواره.

لا نذيع سرا إذا قلنا إن طبقة كبار رجال الدولة لا تشعر بأي شفاء إذا لم يكن الدكتور يوسف القسوس حصرا هو مصدر التشخيص والمتابعة واختيار الأدوية المناسبة.

في أحد الأيام اصطحبت خالتي رحمها الله إلى عيادة القسوس لإجراء فحوصات، لأنها مواطنة كركية اعتبرها قريبته ومن الأسرة ومازحني قائلا بأنه يرفض تدخلي في أسرته ثم سرعان ما كشف طبيبنا جراح القلوب المعروف عن لغز شخصيته الوطنية عندما اعتذر بلطف شديد لخالتي لأنها تشعر بأن أجراس الكنائس في قريتها وهي بالمناسبة محاذية لقرية حمود مسقط رأس الطبيب تزعجها أحيانا.

هنا خجلت المريضة التي أرافقها وابتسمت ثم قالت بأن مكبرات الصوت في المساجد مثل أجراس الكنائس لا تزعج أهل الكرك.

المهم في المسألة أن طبيب القلوب يوسف القسوس فقد 9 من أقاربه وأفراد عائلته المباشرين في تلك الكنيسة التي هاجمها 3 مجرمين.

بين الضحايا بالمناسبة 4 أطباء فيما ابن قرية حمود الطبيب الذي احتفظ ببصمة تأثير كبيرة في تطوير القطاع الطبي في عمان جلس لثلاثة أيام يستقبل المعزين بابتسامة.

ما يقلق في المسألة برمتها حقا أن شخصا عقله في كهف يستطيع أن يقرر في أي لحظة قتل طبيب كبير مثل الجنرال صاحبنا باسم الأمة والمسلمين مع أن هذا الطبيب المسيحي العروبي الوطني الأردني قد يكون أنقذ جدته أو جده أو شقيقه أو والده أو ابن عمه قبل سنوات من الموت.

تلك المفارقة لا ينبغي فحصها بحياد وعندما تقول الدولة الأردنية بالحاجة الملحة للبقاء في حالة معركة مع التطرف نصفق لها في الواقع لأن أحدا لا يريد أن يقتل غدا برصاص الغدر بناء على تشخيص مريض أو آيديولوجيا مختلة.

جريمة الهجوم على كنيسة قرية في هذا المعنى مؤلمة لا بل محرجة لأن من قرر القتل بوحشية باسم الأردنيين في مدينة الكرك هو جار مسلم لهؤلاء الضحايا الذين لم يصدر عنهم يوما أي سوء لا تجاه وطنهم ولا تجاه عروبتهم ولا حتى تجاه جيرانهم.

طبعا الشاذون المتشددون أقلية انسلخت عن روح الناس ونظامهم الأخلاقي قبل ارتكاب الجريمة.

وطبعا الرد في رفع الآذان قبل جرس الكنيسة تنديدا بالمجرمين ثم توحد الأردنيين حول طبيب القلوب وأقربائه في تقبل واجب العزاء وليس تقديمه كان رسالة رد تليق باحتقار الجريمة والمجرم معا.

الأهم ليس فقط التصفيق للوحدة الوطنية الآن. ولا للأجهزة الأمنية التي قبضت على المجرمين في وقت قياسي، بل فهم ما الذي حصل ولماذا وكيف خصوصا في قرية أردنية وادعة تقيم كنيستها إفطارات رمضانية للمسلمين لا بل يرفع الآذان فيها يوم الجمعة أحيانا.

واقعة الهجوم على الكنيسة أدمت قلوب الأردنيين جميعا وشرخت أرواحهم بحكم بشاعة الجريمة وليس صدفتها.

تراكمت ندبة في أرواح الناس جراء ذلك القتل العشوائي الفتاك المنفلت الوضيع.

المطلوب فعلا ليس فقط مجرد إجراءات واحترازات ذات بعد أمني بل مناقشات جذرية عميقة تجيب على سؤال لماذا بعدما تجيب السطات الأمنية على سؤال كيف؟

لا يمكن مواجهة التطرف باعتباره حالة شذوذ أصلا لا علاقة لها لا بالإسلام ولا بالمسلمين بدون معالجة أسبابه وتجفيف منابعه. لإنجاز ذلك مطلوب وبإلحاح الإعلاء من 3 قيم أساسية هي الاعتدال والتسامح والمواطنة.

لا يقبل الأردنيون المساس برموز أبنائهم على هذا النحو الخسيس والقصة لا علاقة لها لا بأغلبية تحمي الأقلية بل بدولة تحمي الجميع وبثقافة اجتماعية توفر الغطاء حيث لا مزاودة من أي صنف يسجلها التاريخ على ولاء وانتماء ووطنية الجزء المسيحي النابض بالعروبة من قلب الأردنيين.

ما حصل مفجع وتحول إلى ندبة في الروح الوطنية.

أطال الله في عمر طبيب القلوب الذي شوهد يستقبل المعزين في قريته وكنيسته ويدعوهم للصبر والمزيد من الإيمان بالأردن.

أطال الله في عمر «الباشا يوسف».

مقالات ذات صلة