تسعة أطفال يعانون العوز وأب تفتك الأمراض المزمنة بجسده

تأخذنا «قصص غائبة عن العيون» إلى هناك، إلى أسرة مواطن أسدلت عليه الأيام حزمة من قصص الأوجاع والأمراض التي يمكن أن تشكل في مجموعها حدثا للمعاناة الإنسانية التي لا سبيل للانفكاك منها إلا بضمير حي يلامس فيها الحال ويمسح عن وجه طفولتها البريئة الجفاء الذي حل بها ،وراح يلازمها صباح مساء ، حتى وكأن الصبر راح يفر من بعض أركانها هربا من الم المعاناة وجفوة السنين، فتشكلت الحكايات التي يمكن لكل زائر لها أن يقراها في المكان وعلى وجوه الأطفال فيها، وقصص مشبعة بألم المرض والفقر وطول الصراع مع واقع صار لتلك الأسرة متلازمة لها في كل الأوقات  .
تبدأ قصة هذه الأسرة المؤلفة من تسعة أفراد مع أب أربعيني كان يخرج كل يوم باحثا عن قوت أولاده لكن القدر حال بينه وبين وسيلته تلك… يقول بينما كنت ذات صباح متجها مع رفقائي للعمل تعرضت  لحادث سير عند مثلث القادسية بالطفيلة الزمني فراش السرير زمنا طويلا للعلاج إلا أن ما تعرضت له من كسور اضطرتني هي الأخرى لأتعامل مع ألواح معدنية زرعت في جسدي للتغلب على آثار الحادث وما تعرضت له من إصابات .
لم يكن يتوقع  إبراهيم أن رحلته تلك في البحث عن لقمة العيش ليعود في المساء إلى أطفاله التسعة وبيده شيء لهم لسد رمق الحياة ستنتهي به إلى الفراش فلم يعد يملك من القدرة إلا أن يحتضن أطفاله وفي ذهنيته ألف سؤال وسؤال كيف لي أن أؤمن لهم قوت يومهم ؟؟!
والحكاية لم تنته عند هذا الحد فما أن تنتهي قصة الحادث عند ابراهيم حتى تبدأ قصة أخرى اكبر من سابقتها فقصة ابراهيم ليست ألواح معدنية باتت أكثر وقعا عليه وهو يكابد الحياة ولا عينه التي فقدها أيضا وإنما راحت الأمراض المزمنة تفتك بجسده فكانت له رحلة أخرى مع مرض الضغط والسكري والصرع الذي خلق منه شخصية تقتات على الصبر في يومها وتستيقظ كما تنام عليه .
ومن تلك القصص المزمنة ننتقل مع ابراهيم إلى تلك الآثار التي أصبح لزاما عليه أن يتعايش معها كل لحظة من لحظات حياته فهو وأسرته يقطنون في  منزل استأجره ابراهيم بقيمة 100 دينار في الشهر ويعتاش من راتب صرف له من صندوق المعونة الوطنية قدره 200 دينار نصفها لأجرة المنزل ، يقول يبقى معي مئة دينار وأنا احتار كيف اصرفها هل على مراجعة المستشفيات والمراكز الطبية في الكرك أو عمان أم أؤمن فيها لقمة الخبز لعيالي ؟!
كانت تلك الأسئلة تقع في النفس وقع الصاعقة على الأذن، انه الصراع الذي يحياه الإنسان مع نفسه وهو يشاهد في كل لحظة من لحظات حياته قسوة الأيام عليه وعلى أولاده
لكن الألم يغلبه تارة أخرى  وألم جسده يعلو عليه فيقرر أن ما تبقى من الراتب والبالغ 100 دينار أن يوزعها  بين نفقات العلاجات وأجور المواصلات للوصول إلى المراكز والمستشفيات لمتابعة حالته الصحية وبين حاجات أطفاله ومنزله ومصروفات أولاده الذين يدرسون في المدارس ولنا أن نتصور أكثر حال أطفاله وهم يتجهون إلى مدارسهم وجيوبهم خاوية تماما من أي مصروف  ولنا أن نتصور أكثر كيف تكون القسمة للمائة دينار بين كل هذه الضروريات وما حصة الفرد منها في الشهر ويبلغ هذا الأمر مبلغه حينما نقلب في دفتر العائلة لنجد أن اكبر أبنائه ما زال في ال 14 من عمره  .
وللمنزل الذي يقطن فيه حكاية ابراهيم وأسرته حكاية أخرى فحين تتأمله تجد أن جدرانه وسقفه ينطق ألما من حدة تصدعاته وتشققات ألمت به مع مرور السنين ،وما على تك الأسرة إلا أن تتعايش مع هذا الواقع وتقبل ب هاو أن تعيش في العراء .
هكذا  يعيش المواطن ابراهيم وأسرته المكونة من تسعة أفراد في واقع ينطق فيه الفقر بلسانه الطلق فمن فقر يتسبب في المرض، إلى مرض يؤدي إلى الفقر والصراع مع الألم والحياة ليبقى السؤال الذي يدور على ألسنتهم جميعا إلى أين المفر».
ونقترب أكثر من هذه الأسرة ونتحدث أكثر فتعجز الكلمات عن البوح عن ألوان المعاناة ونسال ما الحل، ماذا تحتاج هذه الأسرة وما طلبها وهل تريد لبن العصافير أم إنها قانعة قابلة بأقل القليل الذي أشبعه الصبر على الحاجة والمعاناة والآلام، حتى صارت الحاجة تلك حلم أو معجزة .
وبعد أن ننهي هذه الحكاية من حكايات الفقر الذي يلتحف فيه البعض كان السؤال لابراهيم كيف ترى ان مشاكلك تلك ستحل فقال احلم بان امتلك منزلا يأوي أسرتي التي قدر الله أن تعيش بهذه الظروف الصعبة ، فكما ترون المكان الذي آوي إليه  فهو متهالك واخشي ما أخشاه أن يسقط على أطفالي لا قدر الله  وان أجرته المنخفضة مقارنة بالمنازل المجاورة له هو نتاج واقعه المتهالك .
المواطن ابراهيم يناشد أن يسمع أنين العوز الذي يعيشه وان يرى قصته المشفوعة بالتقارير الطبية وان يشاهد كل ذي قلب رحيم أركان منزله المتواضع ببعض الأثاث، فيما المطبخ والحمام بان حديد السقف فيهما، وأصبحت العائلة في خطر انهيار هذا السقف في أي لحظة .
وفي لحظات تقليبه لتقاريره الطبية يشعر بأوجاع القطع الحديدية المزروعة بجسده فيتألم ويحتسب ، وفي الإثناء تطل بعض بناته باستحياء كأنما ببراءتهن يستغثن لتبديل الحال للأفضل، ليعشن طفولة العيش الكريم بدلا من الفقر والمعاناة التي صارت جزءا من حياتهن، ويجدن منزلا يحتضن بين جدرانه الأمل بغد مشرق وان يجد الأب الصابر على المرض والفقر رعاية طبية لاستكمال علاجه، فلا عمل يقدر عليه بعدما أصبح عاجزا بنسبة 85 بالمائة ، ولا مستلزمات يومية يجدها أولاده وبناته، ولا كلمات يجدها لسانه سوى لا حول ولا قوة ألا بالله، ولا أملا يراوده معانقا عنان الجبال المتاخمة لمنزله المتهالك و يتجدد بكل وقت سوى الدعاء للباري بان تجد استغاثاته إجابة للحصول على مسكن ملائم وعيش كريم ، ولا نهاية نضعها لهذه السطور سوى أن الصبر مفتاح الفرج ..

 

الدستور

مقالات ذات صلة