
الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة… فلسطين الحاضرة الغائبة
عبد الحميد صيام
حرير- انطلقت أعمال الدورة الحادية والثمانين صباح الثلاثاء في جزئها رفيع المستوى بحضور 71 رئيس دولة و45 رئيس حكومة و11 نائب رئيس و50 وزيرا. إنها أقرب إلى مهرجان دبلوماسي. كل يعرض بضاعته على الآخرين ويتمنى أن تصل رسالته. كل القضايا والأولويات العالمية يتم استعراضها والتي تشمل السلم والأمن، وتغير المناخ والكوارث الطبيعية وصولا للتنمية المستدامة والذكاء الاصطناعي.
ومن المفارقات العجيبة في هذه الدورة أن يمنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن الحضور بقرار أمريكي للسنة الثانية على التوالي ويمنح مجرم الحرب نتنياهو فرصة الحضور. لكن حضوره أقرب إلى حضور “الحرامي”. تنزل طائرته في مطار عسكري بنيوجرسي (خوفا من ممداني) ويأتي لمخاطبة قاعة فارغة إلا من المدعوين من البعثة الإسرائيلية لمهرجان التصفيق المبتذل، ثم سيعود أدراجه فورا إلى المطار ويغادر دون أن يلتقي بأحد.
وأما المفارقة الأخرى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ووزير خارجيته عباس عراقجي والوفد الإيراني منحوا التأشيرة الأمريكية وهم في حالة حرب مع البلد المضيف.
إنه الدرس الأبدي. فالعالم لا يحترم إلا الأقوياء. فقد منح ياسر عرفات تأشيرة بعد سنتين من حادثة ميونيخ، بينما منع من دخول الولايات المتحدة عام 1988 بعد أيام من اعتراف المجلس الوطني الفلسطيني بحق إسرائيل في الوجود ضمن حدود معترف بها والقبول بالقرار 242 كأساس للحل والتعهد بالتخلي عن الإرهاب والتحريض. نفس الظروف تتكرر. يمنع عباس من دخول الولايات المتحدة بعد أن قدم كل تلك التنازلات ليصبح مقبولا. لكن لا مكان للضعفاء.
بدأ اليوم الأول بخطاب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر العام الحالي، حيث استعرض فيه أمام الدول الأعضاء الدروس التي استخلصها من عشر سنوات عمل على رأس المنظمة الدولية وأهمها أن القوة وحدها لا تصنع السلام وأن العالم إذا ما تضافرت جهوده استطاع نشر السلام والاستقرار والتنمية. ومن جهة أخرى حذر من ثلاثة مخاطر تهدد عالم اليوم والأجيال القادمة، اتساع هوة الفروقات بين الأغنياء والفقراء وتحديات المناخ والذكاء الاصطناعي.
افتتح رئيس الجمعية العامة في دورتها الحالية، وزير خارجية بنغلاديش السابق، السيد خليل الرحمن. وهذا رجل مبدئي عندما يتعلق الأمر بفلسطين. فعندما رشح نفسه لرئاسة الدورة الحالية للجمعية العامة ثم تقدم السفير الفلسطيني رياض منصور ورشح نفسه أيضا لرئاسة نفس الدورة فما كان منه إلا أن سحب ترشيحه لصالح فلسطين ولم يعد إلى دائرة الترشح للدورة إلا بعد أن سحب منصور ترشحه.
وسنتوقف عند بعض اللقطات التي تثير الانتباه:
غوتيريش
في إشارته إلى ما يحدث في غزة من جرائم تجاهل تسمية إسرائيل بالاسم. وسجل كل تلك الجرائم ضد مجهول. لكنه لم يتردد بتسمية “حماس”. قال: “تتفاقم في جميع أنحاء الشرق الأوسط النزاعات. ما يُسمى بوقف إطلاق النار لم يكن أكثر من “نار أقل”، مع استمرار المدنيين في دفع الثمن”. وقال إن ما تبع هجوم “حماس” في أكتوبر 2023 “كان هجومًا على الفلسطينيين في غزة، بمستوى من القتل والتدمير لم أشهده طوال سنوات عملي كأمين عام”.
وحذر من أن “العنف والنزوح وتوسع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة تمهد الطريق لاستمرار صعوبة تحقيق السلام وتثير المخاوف من التطهير العرقي”.
لولا
كما جرت العادة ألقت البرازيل أولى كلمات الدول الأعضاء. وهذا تقليد متبع منذ انعقاد أول جمعية عامة. وفي هذا العام كان خطاب الرئيس لولا أقوى من سابقه لأنه سيترك مقعد الرئاسة في نوفمبر القادم. وإذا ربح اليمين الذي يحشد لإسقاطه برئاسة ابن الرئيس السابق بولسنارو الذي دخل السجن بتهمة الفساد، سيعمل على إدخال لولا السجن. لقد رافقته السيدة الأولى روزانجيلا دا سيلفا المعروفة بلقب “جنجا” تلبس جاكيتا فلسطينيا مطرزا بالحرير. وهذه هي المرة الثالثة التي تدخل قاعة الجمعية العامة بالتطريز الفلسطيني. ثم توجه إلى لقاء عمدة نيويورك زهران ممداني. وأجمل ما قاله عن فلسطين: “إن أجيالاً من الفلسطينيين ستحمل الألم والصدمة اللذين خلّفتهما الإبادة الجماعية للنساء والأطفال التي ارتكبتها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو”. لقد غابت كلمة الإبادة الجماعية عن الغالبية الساحقة من كلمات الوفود بمن فيها معظم الوفود العربية.
ترامب
خطاب شخص نرجسي مهووس بعقدة العظمة التي لا حدود لها. والحقيقة أن الخطاب موجه أساسا للناخبين الأمريكيين وليس للمجتمع الدولي الذي لا تنطلي عليه تلك الأكاذيب. غابت فلسطين وشعبها وحقوقه عن الخطاب. ولا أعرف كيف يصفق هؤلاء لترامب وهو يستعرض انتهاكاته للقانون الدولي سواء في إيران أو فنزويلا أو ما ينوي عمله في كوبا. بل ويطالبهم بانتهاك القانون الدولي وفرض “عزلة اقتصادية كاملة” على إيران، إلى أن توقف هجماتها على السفن التجارية وتتخلى عن طموحاتها النووية ودعمها للجماعات المسلحة. وقال إن من بين خياراته أن يبيد إيران عن الوجود. أي صلف أكثر من هذا؟ يهدد بإبادة دولة يزيد سكانها عن تسعين مليون إنسان في مكان يمثل القانون الدولي والمجتمع الدولي والمساواة بين الدول كبيرها وصغيرها والتعددية والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.
أما ما قاله عن إنهاء الحروب السبعة فلا أفضل من الحكم على هذه الادعاءات ما يجري في غزة حيث ادعى أن إدارته أنهت تلك الحرب وأعادت جميع الرهائن وهيأت “مجلس السلام” لدعم الإغاثة وإعادة إعمار القطاع. وقد نصدق لو سمح للجنة الوطنية التي أنشأها للإدارة والتنسيق برئاسة الدكتور شعث أن تدخل القطاع.
الملك عبد الله
قال عندما تنتهك إسرائيل القانون الدولي يعتبر ذلك حادثة خاصة، ثم تنتهك عدة مرات فتصبح سياسة ثم تنتهك فيصبح قانونا. ودعا المجتمع الدولي الانتقال من إصدار المواقف إلى اتخاذ إجراءات عملية، قائلاً إن غياب التحرك السياسي ليس ناتجاً من عدم توافر الخيارات، وإنما يمثل “اختياراً”. وأشار إلى امتلاك المجتمع الدولي أدوات تشمل العقوبات وتجميد الأصول وفرض الحظر والعزلة الدبلوماسية، مضيفاً أن هذه الأدوات استُخدمت في أزمات أخرى، بينما تنتهي القرارات المتعلقة بإسرائيل، وفق تعبيره، “حيث يمكن أن تنتهي قطعة من الورق”.
وعن الضفة الغربية، قال إنه في الوقت الذي ينصب اهتمام العالم فيه على غزة، لا يقتصر الأمر في الضفة الغربية على مجرد تصعيد، بل “نحن أمام تحول جذري. فما كان في السابق عملية زحف تدريجي، تحول فجأة إلى واقع أكثر عدوانية بكثير”.
الشيخ تميم
تميز خطاب الشيخ تميم بالشجاعة عندما وصف ما يجري في غزة بأنه “حرب إبادة”. وقال الأمير إن العدوانية الإسرائيلية امتدت لتطال دول الجوار وتهدد أمن المنطقة ومن بينها سوريا وقال: “إسرائيل تعلن على الملأ عدم الالتزام بالاتفاق في لبنان وتصر على التعامل معه بمنطق الوصاية”.
الشرع
خطاب قصير لم يتجاوز التسع دقائق مستخدما بلاغته في العربية ليوصل رسالته الأهم “في العام الماضي جئتكم بخطاب العودة، أما اليوم فهو خطاب التقدم والنهوض”.
وعدد الإنجازات أو بعضها: “وُحدت سوريا من شمالها إلى جنوبها ، وحُصر فيها السلاح، وأعيد بناء مؤسساتها الأمنية، ورُفعت عنها العقوبات، وأقيمت مشاريع الإعمار والاستثمار، وانطلق فيها مسار العدالة الانتقالية والكشف عن مصير المفقودين”. غابت فلسطين عن خطابه كما غاب لبنان.
بزشكيان
خطاب الكرامة والتمسك بالحق: “لن نحني رؤوسنا ولن نتنازل عن حقنا الأصيل. نقولها بوضوح: لا للأسلحة النووية، ولا للقيود المفروضة على التكنولوجيا النووية السلمية”. وقال: “فلسطين جرح مفتوح في ضمير المجتمع الدولي وغزة أصبحت رمزًا لفشل الآليات الدولية في منع معاناة المدنيين”.



